ياسر الفادني يكتب : من أعلى المنصة… موسم اصطياد الأفاعي

رأي: خطوة برس
دامرة الفردوس بالقرب من زالنجي تحكي عن ضربة جوية موجعة، ولحظة كاشفة في مسار الحرب، لحظة تقول بوضوح إن القوات المسلحة انتقلت من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة القبض على عنق المعركة، حين تُستهدف قيادات من الصف الأول داخل اجتماع ميداني مغلق، فهذا يعني أن الجيش لم يعد يطارد ظلالًا، بل يضرب قلب الشبكة العصبية للمليشيا، ويكسر وهم (المناطق الآمنة) الذي طالما احتمت به.
عسكريًا، هذه الضربات تنتمي إلى مدرسة الحسم الذكي لا الاستنزاف الأعمى، استهداف القيادات لا يهدف فقط إلى تقليص العدد، بل إلى تعطيل الوظيفة، القائد الميداني في المليشيا ليس مجرد آمر، بل هو حلقة الربط بين السلاح والقرار، بين المال والمقاتل، بين التهديد والولاء، بإسقاطه، تتحول القوة من كيان متماسك إلى تجمعات مسلحة بلا بوصلة، تقاتل برد الفعل لا بالفعل، وتتحرك تحت ضغط الخوف لا وضوح الخطة
التحليل العسكري الدقيق يكشف أن الضربات الجوية المسيّرة تحقق ثلاثة أهداف متزامنة: شلّ القيادة، كسر المعنويات، وفرض السيطرة النفسية على مسرح العمليات الطائرة المسيّرة هنا ليست سلاحًا تكتيكيًا فقط، بل أداة سيادة، هي رسالة تقول إن السماء سودانية، وإن كل تحرك مرصود، وكل اجتماع مكشوف، وكل رأس يمكن الوصول إليه مهما اختبأ، هذا النوع من التفوق يغيّر قواعد الاشتباك، ويجبر العدو على القتال وهو ينظر إلى الأعلى قبل أن ينظر أمامه
على مستوى الميدان، غياب القيادات يعني تفكك منظومة القيادة والسيطرة، وهي أخطر ضربة يمكن أن تتلقاها قوة غير نظامية، المليشيا بطبيعتها تعتمد على الأوامر السريعة، وعلى القائد الكاريزمي الذي يفرض الطاعة بالخوف والمال، عندما يُزال هذا القائد، لا توجد عقيدة قتالية تحل محله، ولا تسلسل مؤسسي يمتص الصدمة، النتيجة فوضى تكتيكية: تأخر في الرد، سوء تموضع، انسحابات غير منسقة، وأخطاء قاتلة في الانتشار
الأثر النفسي لا يقل فتكًا، المقاتل الذي يرى قادته يُصطادون واحدًا تلو الآخر يفقد الإيمان بالحماية، ويبدأ في الشك بكل شيء: الهاتف، المركبة، الاجتماع، وحتى أقرب الناس إليه، هنا يتحول الخوف إلى عامل شلل، ويصبح البقاء الفردي أهم من الهدف الجماعي، هذه هي اللحظة التي تنتصر فيها الجيوش النظامية، لأنها تقاتل بعقيدة لا بغنيمة،
القوات المسلحة السودانية، بهذه الضربات، تثبت أنها لا تخوض حرب ردود أفعال، بل حرب عقول، تختار الزمان، وتحدد المكان، وتضرب عندما يكون الأثر مضاعفًا ، هي معركة معلومات بقدر ما هي معركة نار، ومعركة صبر بقدر ما هي معركة سرعة… وكل قائد مليشيا يسقط، لا يسقط وحده، بل يسقط معه جزء من قدرة المليشيا على الاستمرار
نحن أمام تحول واضح: من حرب إنهاك طويلة إلى مسار تفكيك منهجي، الرأس يُقطع، والذيل يتخبط، والجسد يفقد توازنه، هذا هو منطق الجيوش حين تقرر أن تنهي الحرب لا أن تديرها ، وما دام هذا النسق مستمرًا، فإن الميدان سيشهد تراجعًا متسارعًا للمليشيا، لا لأن سلاحها نفد، بل لأن عقلها يُستأصل قطعة قطعة
إني من منصتي أنظر… حيث أرى… أنها ليست ضربة انتقام، بل ضربة سيادة. ليست استعراض قوة، بل فرض معادلة، وفي الحروب الكبرى، حين تستعيد الدولة يدها العليا، لا يكون السؤال: من التالي؟ بل كم تبقّى لهم قبل السقوط الكامل.






