خالد محمـد الباقــر يكتب: على نـار هادئــــــــة… دراما جدران الواقع الهش في زمن الكاريزما الحكومية

رأي:خطوة برس
⭕ في قلب الخرطوم، تحت ليل ثقيل كالعار، تتجسد مأساة “محمد أحمد” (50 عاماً، محاسب سابق)، الذي لم يعد يمتلك من حياته سوى حقيبة سفر صغيرة ووجع اللحظة. على جدار بيته النائم، توقفت ساعة الحائط؛ زجاجها المشروخ يرمز لزمن الوطن الذي انكسر، قبل أن تهزّ صرخة قذيفة بعيدة جدران الواقع الهش. يغادر محمد أحمد بيته مُتمتماً دعاء يائساً: “سنعود يا بيتي… سنعود”، وهو يضع قفلاً هشاً لحفظ الموتى لا الأحياء. إنها قصة وطن يئن تحت وطأة أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين الداخليين 11.6 مليون شخص، مُعلناً عن انهيار البنية التحتية للحياة .
⭕ تحت السرير، كانت مدخرات عمر، علبة معدنية ترى فيها الزوجة تاريخاً مقبوضاً بالحديد. تتوسل بهمس مكتوم : “الروح أغلى. اترك علبة الشاي ودعنا نذهب.” هذا التخلّي عن مدخرات العمر لم يكن عبثاً، فسرعان ما تهاوت حصون الكرامة على يد “العمدة حسين ” (30 عاماً، قائد مليشيا)، الذي يجسد التفلّت القيمي.
⭕ العمدة حسين ، بملابسه التقليدية التي لُوّثت بشارة قتالية، يضحك ببرود مُطبق مُبرراً السرقة: “من لم يخرج، خرجت له أرزاقه… غنائمهم حلالنا.” وفي غرفة النوم المهجورة، تُسرق العلبة المعدنية. هذه الحادثة، التي تتكرر آلاف المرات في الخرطوم وضواحيها، تكشف أن الحرب تحولت إلى اقتصاد كارثة؛ يُسرق فيه التاريخ من تحت الأسرّة، وتُقدر خسائر القطاع الاقتصادي بنحو 200 مليار دولار.
⭕ في جهة أخرى، يقف محمد أحمد الآن في طابور المساعدات، يرفع يده ليغطي وجهه المنهك من وهج الشمس ووهج الذل، ليحصل على حصة ضئيلة من الطعام.
⭕ يلمح محمد رمزاً مغايراً: “الدكتورة ليلى”، التي لا تتوقف يديها عن تضميد جراح طفل، رغم أن إصبعها ملفوف بشاش متسخ. ليلى تمثل القطاع الصحي الذي خسر أكثر من 11 مليار دولار من بنيته التحتية، ونزح معظم كوادره.
⭕ هذا المشهد الإنساني الميداني يقابله مشهد “الوزير طارق” (55 عاماً، موظف سيادي) في مكتبه الفاخر. بلهجة هادئة لا تعرف الأزمة، يتحدث عن صرف المخصصات السيادية كاملة : “الحكمة تقتضي المحافظة على ‘الكارزما’ الحكومية. لا يمكن إدارة دولة بقيادة مرتّباتها منقوصة!” الوزير طارق يختبئ خلف “الرمزية”، مُعلناً عن انفصال تام بين “مُدير الدولة” و “ضحايا الدولة”.
⭕ عند بوابة المبنى الوزاري المؤقت، يلتقي العالمان في صدام أخلاقي حاد . يصيح محمد أحمد، بـ ألم مفرط، في وجه الوزير طارق : “نحن نأكل من فتات صندوق النزوح! وأنتم تأكلون ‘الكارزما’ كاملة!”
تصل الدكتورة ليلى بـ عينيها اللتين أصبحتا كالجمر ، “المسؤولية هي أن تأكل من رغيف الجندي الميداني. التمييز بين دم من ينزف وحبر من يوقّع هو إعلان رسمي بتفكيك الروح الوطنية!”
⭕ في قاعة اجتماعات مؤقتة، يواجه الوزير طارق نفسه. مراقبة صور محمد أحمد وليلى على شاشة ” .
⭕ يُعلن المذياع القديم القرار الصادر بالإجماع: “تجميد نسبة لا تقل عن 50% من مخصصات القيادات العليا، وتحويلها إلى صندوق دعم النزوح، مع إجراء إلزامي بالعمل الميداني لتلك الفئة.”
على الرغم من هذا التحول الدرامي، لا يمكن إغفال البعد الأكبر للأزمة. إن مأساة محمد أحمد وليلى هي صرخة في سياق ما يُسمى بـ “الحرب المنسية”. فبينما يعاني السودان من تصدره لقائمة النزوح العالمي، وإعلانات المنظمات الدولية عن انهيار المنظومة الصحية والتعليمية، يظل التمويل الإنساني لا يغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الهائلة. هذا التجاهل الدولي، إلى جانب الانفصال الداخلي، هو ما يضخّم الشظف .
⭕ تنطلق أعمال صيانة سريعة في المركز بمساعدة مالية جديدة. ويظهر الوزير طارق في ملابس عمل بسيطة، يقوم بواجبه الإلزامي في الإشراف الميداني. عيناه لم تعودا منفصلتين عن الواقع، بل أصبحتا تعكسان غبار التضحية.
⭕ ينظر محمد أحمد إلى ليلى بابتسامة متعبة لكن صادقة: “أعدنا تقاسم الوجع يا محمد. الآن … نبدأ تقاسم البناء.”
⭕هكذا ، يكتشف الوطن أن بناءه لا يبدأ من الأبراج العاجية والامتيازات السيادية، بل من طابور النازحين، ومن ضمادة الطبيب، ومن قرار القائد الذي اختار التخلي عن الامتياز لينضم إلى خندق التضحية. إنها قصة وطن يجد كرامته المفقودة في إعادة توجيه بوصلة المسؤولية نحو الميدان، مُرسّخاً مبدأ أن استرداد القيمة هو أولى خطوات استرداد الوطن .





