خالد مـحــمـد الباقـــــــــر يكتب: على نار هادئة… صراع النغم والواقع، رصاصة”أم وضاح” القاتلة لـ “أغاني وأغاني” ..

رأي : خطوة برس
⭕ الجدل المثار حول إيقاف برنامج “أغاني وأغاني” على خلفية الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، يمثل مفترق طرق حقيقي بين ضرورة الحفاظ على الروح الجمعية وصيانة كرامة الفن والفنانين. لقد جاءت الأستاذة الكبيرة “أم وضاح” بطرحٍ لم يجانبه الصواب فحسب، بل بدا وكأنه طعنة في قلب الفعل الثقافي، متذرعةً بـ “الوقت غير المناسب” و”استثنائية الظروف”. إنّ محاججة “أم وضاح” تقف على أرضية مهزوزة؛ فالحياة، بسننها الكونية، لا تمنح رخصة التوقف المؤقت. إنها تمضي في مسارها، ولا تنتظر حتى تنقشع سحب المآسي بالكامل. أن ندعو إلى تعليق النشاط الثقافي والفني، خاصةً في قالب جماهيري كـ “أغاني وأغاني”، هو بمثابة إصدار حكم بالإعدام البطيء على شريحة حيوية من المجتمع. هل أغفلت “أم وضاح” أو تغافلت عن حقيقة أن الفنانين والعاملين في حقول الثقافة والفنون والآداب ليسوا مجرد طاقات للترفيه، بل هم مهنيون يرتزقون من إبداعهم؟ إن آلاتهم الموسيقية وأصواتهم ومواهبهم هي أدوات عملهم الوحيدة، التي يسيرون بها التزاماتهم الحياتية: بيوتهم، أبناءهم، وعمق مسؤولياتهم المعيشية. هنا يكمن الاختبار الحقيقي لمن يطالبون بإسكات النغم: هل تملك “أم وضاح” أو أي صوت معارض آخر القدرة على صرف مرتبات شهرية تعين هؤلاء المبدعين على الحياة الكريمة؟ وهل لديها الصلاحية لإلزام وزارة الثقافة أو مجلس المهن الموسيقية بتبني مسؤولياتهم كاملة ، من علاجهم وتعليم أبنائهم، مروراً بتوفير مساكنهم، وصولاً إلى حل مشاكلهم والتزاماتهم المعيشية الأساسية ؟ إنّ العجز عن تقديم البديل المادي يجرّد الحجة الأخلاقية من مصداقيتها ويجعلها مجرد تنظير قاسٍ. من أي منطلق عقلي أو عاطفي يُراد للوسط الفني وأهله أن ينخرطوا في حالة ترقب وانتظار مُهلكة ؟ إنّ الفتوى بأن الغناء في هذا التوقيت هو “كفر” أو “خروج عن الملة” أو “خيانة لوطن جريح” هي محاولة خطيرة لمصادرة الفرح، وتضييق واسع على معنى الوطنية الحقة.
⭕ الوطنية ليست صمتاً مطبقاً ولا جلوساً على كراسي الفرجة والترقب. بل هي فعل مستمر للإعمار، ومن الإعمار بث الروح في جسد الوطن المُنهك. بل الأكثر من ذلك، أهل الفن والغناء والإبداع هم قوام القوة الناعمة التي تسند القوات المسلحة، وهم الآن من يقاتلون بأصواتهم لاستنهاض الهمم وتغذية الروح الوطنية في الجبهة وخلفها. الفن في زمن الحرب هو متنفس، هو نافذة مضيئة، هو صمام أمان يمنع الروح الجمعية من الانزلاق إلى مستنقع اليأس التام. المشاهد أيضاً، وهو يرزح تحت وطأة القلق واليأس، يحتاج إلى من يخاطب مشاعره ويعيد إليه جزءاً من أمانه النفسي المفقود؛ فالغناء والموسيقى هما العلاج غير الدوائي الذي يرمم الروح ويوفر مساحة للتعافي من الصدمات المتلاحقة. إننا لا نغني لننسى الجرح، بل لنؤكد أننا أحياء، قادرون على المقاومة، وأن دكتاتورية الألم لن تنجح في ترويض حواسنا. إنّ الإصرار على استمرار برامج كـ “أغاني وأغاني”، مع مراعاة الظرف بتقديم محتوى راقٍ وبنّاء ومواساة، هو تأكيد على أنَّ الثقافة والفن هما آخر خندق للدفاع عن الهوية والذاكرة الوطنية. المحاربة لأجل العيش الكريم هي معركة لا تقل قداسة عن معركة الوطن، والفنان يقاتل بأوتاره وألحانه ليُبقي نبض الحياة مستمراً. لتُدرك “أم وضاح” أن رصاصة التوقف التي تريد إطلاقها على البرنامج لن تقتل سوى مصدر رزق الآلاف، ولن تزيد الوطن إلا بؤساً نفسياً. فليست الحياة صمتاً، وليست الوطنية كفاً عن النغم .





