وردي رحل منذ ثلاثة عشر عاما وتركنا نعيش بالحسرَهْ نتأسّف

بقلم : إيهاب بشير
أوشكت الذكري الثالثة عشر علي رحيل الهرم الكبير محمد عثمان وردي في الثامن عشر من فبراير علي الحلول ورغما عن رحيله لازال متربعاً في قمة الهرم والمشهد الغنائي حاله كحال كبار المغنيين علي مستوي العالم
بداية مشواره الفنى بدأت في العام 1953 م وقد تعلم قبلها العزف علي آلة الطمبور وهو طالب في معهد المعلمين شندي في طمبور تعود ملكيته لطباخ الداخلية التي يسكنها ودفع ثمن تعليمه غسل الصحون كل يوم وبدأ الغناء مقلدا لابراهيم عوض وانتهز فرصه حضور ابراهيم عوض لاحياء حفل خيري لصالح مستشفي شندي وقام وردي ببيع كل تذاكر الحفل بعد أن اتفق مع نقابة العاملين بالمستشفي بتوزيعها شريطه أن يسمحوا له بمقابلة ابراهيم عوض وفي اليوم الموعود التقي وردي ابراهيم عوض وأخبره أنه معجب به ويردد اغنياته علي الدوام وطلب منه ابراهيم عوض أن يغني فغني وصدم ساعتها لان ابراهيم عوض طلب منه ترك الغناء والالتفات لعمله كمعلم بعد ذلك زار القطب الاتحادي والوزير ساعتها عبدالماجد ابوحسبو شندي وفي احتفاليه بحضوره سمع ابوحسبو وردي متغنيا باغنيات ابراهيم عوض واعجب به ايما إعجاب وطلب منه الحضور للخرطوم وتقديم نفسه للاذاعه السودانية وابدي استعداده للمساعدة في ذلك
عندها ارتفعت معنويات وردي وقرر الحضور للخرطوم وانتهز الأستاذ محمد وردى فرصة حضوره الي العاصمة الخرطوم لأول مرة ممثلاً لمعلمى شمال السودان في مؤتمر تعليمى عقد آنذاك، وعندما ذهب للقاء ابوحسبو عرف انه في زيارة خارج السودان وقد بدأ وردي
ممارسة الفن كهاوى حتى العام 1957 م عندما تم اختياره بواسطة الاذاعة السودانية هنا امدرمان بعد تجربة أداء ناجحة وإجازة صوته ليقوم بتسجيل اغانيه في الاذاعة في برنامجها الشهير من ربوع السودان ,وتحقق حلم طفولته في الغناء في الاذاعة بين الفنانيين العمالقة امثال عبد العزيز محمد داوؤد ,حسن عطية ,احمد المصطفى ,عثمان حسين ,ابراهيم عوض وهو الذي بدأ وردي مقلداً له وغيرهم. وفى خلال عامه الأول في الاذاعة تمكن وردى من تسجيل 17 اغنية مما دفع مدير الاذاعة في ذلك الوقت لتشكيل لجنة خاصة من كبار الفنانين والشعراء الغنائيين كان من ضمن اعضائها ابراهيم الكاشف ابرز المطربين في ذلك الوقت وعثمان حسين وأحمد المصطفى لتصدر اللجنة قرارا بضم وردى لمطربى الفئة الأولى كمغنى محترف بعد أن كان من مطربى الفئة الرابعة في سابقة نادرة الحدوث
ابرز مميزاته التي ميزة وردى هي إدخاله القالب الميلودي النوبى والادوات الموسيقية النوبية في الفن السودانى مثل الطنبور، كما عرف عنه أداء الاغانى باللغتين النوبية والعربية. ويعتبره الكثير من الناس مطرب افريقيا الأول لشعبيته الغير مسبوقة في دول منطقة القرن الافريقى وهي اثيوبيا والصومال وجيبوتي وأريتريا كما عرف بثراء فنه وتنوع اغانيه من الرومانسية والعاطفية والتراث النوبى والاناشيد الوطنية والثورية، وفى عام 1989 م خرج من السودان بعد انقلاب الإنقاذ العسكري ليعود بعد 13 عاما قضاها في المنفى الاختيارى منح الدكتوراة الفخرية من جامعة الخرطوم في عام 2005م تقديرا لمسيرته الفنية لأكثر من 60 عاما ولما يزيد عن 300 اغنية، وبأعتباره أسطورة فنية سودانية خالدة وموسوعة موسيقية كما يعد مجدداً في الموسيقي السودانية بعلمية بعد أن انتسب دارسا في معهد الموسيقي عند انشاءه والغريب ان المقرر الذي يدرسه الاساتذة الكوريين للطلاب يتضمن بعض الحانه و هو اول فنان سوداني يوزع اغنية وقد أوكل توزيع أغنيته الشهيرة الود للموسيقي المصري اندرية رايدر في بادرة غير مسبوقة في ذاك التوقيت.
كل الاماسي التي اقيمت في ذكري رحيله لم ترق لمستوي مكانته ولالعطائه الثر المميز والراسخ في المشهد الغنائي السوداني والأفريقي والذي لازال يردده المغنيين وسيظلون لعقود آتية من الزمان يرددون أغنياته والأناشيد التي ألهب بها حماسة الشعب السوداني ساعتها وكل الاناشيد التي تغني بها غيره آتت ماسخة بلاطعم ولالون ولارائحة وهو الذي جمل الوجدان الجمعي للأمة السودانية وطور الذائقة السمعية التي كانت مشوهة لعطاء أمتد لخمس عقود من الزمان لم يقعده المرض رغم شدته ومات في الثامن عشر من فبراير من العام 2012 م كالأشجار واقفاً وتحضرني إجابة للفنان الصديق إبراهيم خوجلي عندما سألته عن فنان الألفية فأجاب بلا تردد وردي رحمه الله والان قاربت ذكري رحيله والبلاد تغرق في بحر من الدم نتيجه حرب دخلت عامها الثاني ولا أظن أن هناك من ينتبه لذكري الراحل نسأل الله العلي القدير أن يتقبله قبولا حسنا ويكرم نزله ويلطف بالبلاد والعباد.






