السودان والسعودية… شراكة ام استتباع ؟

بقلم : د. الهيثم الكندي يوسف
في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة إنما مصالح مشتركة، لكن بالنسبة لوشائج القربى والجغرافيا بين السودان والمملكة العربية السعودية فإن المصلحة تتجاوز حسابات الربح والخسارة لتعبر عن مفهوم المصير المشترك أو هكذا يجب أن تكون.
مع استمرار حرب الكرامة ثمة تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه العلاقة هل هي شراكة استراتيجية حقيقية أم محاولات للاستتباع السياسي؟.
إن تقاطع المصالح ومواجهة العدو الواحد هو ماجعل المملكة العربية السعودية تصبح أحد أهم داعمي الدولة السودانية في وجه المخطط الإقليمي الذي انفجر في 15 أبريل 2023. لكننا يجب أن نقرأ هذا الدعم في سياقه الصحيح، فالمملكة لم تتحرك بدافع العاطفة فقط بل لأنها أدركت أن الحريق في السودان لن تنجو منه، فقد ثبت أن المخطط الذي يستهدف السودان هو ذاته الذي استهدف حصار المملكة وإعاقة مشروعها التنموي الداخلي وإضعاف دورها في الإقليم فالخصم واحد والمصير مرتبط.
إلا أن محاولة السعودية هندسة المشهد السوداني الداخلي عن طريق رسم حدود لبعض القوي المحلية أو ما يشاع عن تردد المملكة في تمويل صفقة سلاح باكستاني كان من المؤمل أن تلعب دوراً هاما في ترجيح كفة الحرب لصالح معسكر القوات المسلحة، أو ما تردد من إعاقة لوصول سفن إمداد سودانية وحجزها لفترات طويلة في الموانئ السعودية قبل الإفراج عنها يضع علامات استفهام حول رؤية المملكة لهذه العلاقات مما يجعل التساؤلات التي عنونت بها مقالي منطقية.
علي المملكة إدراك ان ما يعكسه أعداء السودان لإثارة مخاوفها غير صحيح، وعلي الدبلوماسية السودانية أن تتحرك لإزالة تلك المخاوف عبر إفهام المملكة بأنه لا أحد من القوى السياسية في السودان يتحكم في قرار الجيش أو يمثل تهديداُ لمصالح المملكة، وأن الدولة السودانية لا تؤيد ما تقوم به إيران من قصف لدول الخليج.
كما عليها أن تعيد التأكيد للمملكة أن إضعاف الدولة السودانية أو محاولة رسم حدود لحركتها لا يخدم أمن المملكة بل يقدم خدمة مجانية لمشاريع التوسع الإقليمية التي تريد تحويل السودان إلى خنجر في خاصرة السعودية الغربية تماماً كما جرت المحاولة في اليمن.
يمثل البحر الأحمر حالياً الرئة التي تتنفس عبرها المملكة خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز نتيجة حرب الخليج فقد أصبح البديل لصادرات السعودية من النفط كما أصبحت تعتمد عليه تماما لتغطية وارداتها.
إن بقاء الدولة السودانية قوية ومسيطرة علي أرضها وسواحلها يعني تأمين الضفة المقابلة للمملكة ومنع تحول الموانئ السودانية منطلق لتهديد الملاحة الدولية.
علي المملكة أن تعي أن استقرار السودان ليس خياراً دبلوماسياً للرياض بل هو ضرورة أمنية لحماية شريان الحياة السعودي.
تجدر الإشارة إلى أن فرص التعاون لا تنحصر فقط في الجغرافيا السياسية بل تتعدي ذلك إلي البعد الأهم وهو البعد الإقتصادي فالسعودية تستورد نحو 80% من احتياجاتها الغذائية حيث بلغت في عام 2024 وحده أكثر من 10.8 مليار دولار يتم استيراد هذه المنتجات من البرازيل (للحوم والدواجن)، الهند وباكستان (للأرز)، وروسيا وأوكرانيا (للحبوب).
وقد رفعت الحرب في أوكرانيا والخليج العربي وما صاحبها من اضطرابات سلاسل الإمداد تكلفة الشحن البحري والتأمين بنسب تصل إلى 30% مما يجعل اللجوء للسودان (الذي لا يفصله عن ميناء جدة سوى كيلومترات قليلة) خياراً لا غنى عنه.
لقد وضع الخبير الاقتصادي البروفيسور الكندي يوسف في قمة الرياض العربية 2007 تصورات شاملة لاستغلال موارد السودان الزراعية والمعادن والبترول بتمويل سعودي. إن الوقت قد حان لإخراج هذه الأوراق من الأدراج لتتحول إلى برنامج للتعاون في:
– الزراعة والتصنيع الزراعي والحيواني بما يوفر الفائدة للبلدين. فالسعودية تضمن موردا قريبآ مما يقلل التكلفة ويزيل القلق من مشاكل واضطرابات الملاحة المؤثرة علي سلاسل الإمداد. بينما تتحرك موارد السودان وتخلق فرص للوظائف ويتحرك الميزان التجاري في جانب الصادرات.
– الاستثمار التعديني خاصة في المنطقة المشتركة في قاع البحر الأحمر الزاخرة بالثروات. ومناطق الذهب في شمال وغرب السودان.
– استخراج البترول والغاز الذي اثبتت الدراسات ان مناطق كثيرة في السودان غنية باحتياطيات إقتصادية ومشجعة.
– تطوير الموانئ لتكون منصات لوجستية عالمية تخدم البلدين.
ما يمكن أن ننصح به الحكومة السودانية هو أن لا تضع بيضها في سلة واحدة إذا استمر التردد التكتيكي من جانب الرياض، فإن خيارات السودان الدولية مع قوى مثل روسيا والصين تظل قائمة وقوية ليس فقط كحليف عسكري بل كشريك اقتصادي في الزراعة واستخراج الذهب والنفط. التلويح بهذه البدائل ليس مناورة بقدر ما هو تأكيد على استقلالية القرار السوداني وتحويل العلاقة من منطق (التابع والمتبوع) إلى منطق (الشركاء المتكافئين).
إن استقرار السودان يعد صمام أمان أمام الفوضى الإقليمية التي لن تستثني أحدا. إننا نتطلع إلى علاقة ندية يكون فيها السودان سلة غذاء المملكة وتكون المملكة العمق الاستراتيجي للسودان في شراكة حقيقية ترقى لحجم التحديات التي تواجه البلدين.





