رأي

محمد بابكر يكتب : السودان والصين معادلة القوة الجديدة

رأي: خطوة برس

لم تعد العلاقات الدولية تقاس بحجم التبادل التجاري أو عدد الاتفاقيات بل بقدرتها على استشراف المستقبل وبناء أدوات القوة فيه.

في هذا الإطار تبرز الشراكة بين السودان والصين كنموذج لعلاقة مرشحة للانتقال من التعاون التقليدي إلى مستوى أكثر عمقا حيث تتحد الموارد الطبيعية مع التكنولوجيا المتقدمة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.

التصريحات التي رافقت الاحتفال الأخير عكست هذا الإدراك بوضوح. فقد وصف عضو مجلس السيادة الانتقالي عبد الله يحيى العلاقات مع الصين بأنها ضاربة في التاريخ وتقوم على مرتكزات صلبة من الشراكة الاستراتيجية وتبادل المنافع وهو وصف لا يكتفي بتوصيف الماضي بل يؤسس لرؤية مستقبلية. كما شدد عضو مجلس السيادة على احترام السودان لمبدأ الصين الواحدة مشيدا بـمواقف الصين الداعمة للسودان في أوقات الأزمات دفاعا عن سيادته في إشارة إلى البعد السياسي العميق لهذه العلاقة.
هذا البعد يتداخل مع قراءة أوسع لمستقبل الصراع الدولي حيث يتزايد الحديث عن أن الحروب القادمة ستكون (حروب موارد) .

وفي هذا السياق تبدو الشراكة السودانية الصينية أقرب إلى تكامل استراتيجي السودان بموارده الطبيعية الضخمة والصين بقدراتها التقنية والصناعية المتقدمة.
وهو ما أشار إليه يحيى أيضا حين أكد أن الصين (أكبر شريك تجاري للسودان) ولها (دور محوري في تطوير قطاع النفط) فضلا عن مساهماتها في البنية التحتية.
اللواء (م) عمر نمر عزز هذا الطرح معتبرا أن العلاقات بين البلدين تمثل نموذجا للتعاون القائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وهو مبدأ يكتسب أهمية خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بالاستقطاب.
مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة (تتطلب مضاعفة الجهود لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري) بما يعكس إدراكا بأن الشراكة يجب أن تنتقل من الإطار التقليدي إلى مستويات أكثر عمقا وتأثيرا.
وفي هذا التحول يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم أدوات المرحلة المقبلة.
فالسودان بما يمتلكه من أراضٍ زراعية شاسعة يمكن أن يستفيد من التقنيات الصينية في تطوير الزراعة الذكية عبر تحليل البيانات المناخية والتربة وتحسين الإنتاجية. كما أن قطاع التعدين خاصة الذهب يمكن أن يشهد نقلة نوعية من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستكشاف وتقليل الفاقد وتحسين الكفاءة..

ولا يقف الأمر عند حدود الاقتصاد إذ يمتد إلى مجالات مثل اكتشاف المواقع الأثرية حيث يمكن لتقنيات تحليل الصور والبيانات الجغرافية أن تسهم في الكشف عن كنوز حضارية غير مكتشفة ما يعزز من مكانة السودان الثقافية والسياحية.
في المقابل أكد السفير الصيني لدى السودان أن بلاده (تحرص على مواصلة دعم السودان في مختلف المجالات وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين) مشيرا إلى أن العلاقات الثنائية (شهدت تطورا) ملحوظا خلال السنوات الماضية .
كما أعرب عن تطلع الصين إلى توسيع آفاق التعاون خاصة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والطاقة وهي مجالات تتقاطع بشكل مباشر مع احتياجات السودان وأولوياته.
هذه التصريحات حين توضع في سياقها تكشف أن الشراكة بين السودان والصين لم تعد مجرد خيار اقتصادي بل مسار استراتيجي تفرضه طبيعة التحولات العالمية.
غير أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بقدرة السودان على إدارة موارده بكفاءة وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتوطينها بما يحقق قيمة مضافة حقيقية.
في الختام فإن الجمع بين موارد السودان وقدرات الصين التقنية مدعوما بتقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل رافعة تنموية واستراتيجية في آن واحد. وكما تعكسه التصريحات الرسمية فإن الإرادة السياسية متوفرة لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي يعيد رسم ملامح الاقتصاد السوداني ويضعه في موقع أكثر قوة في عالم تحكمه معادلات الموارد والمعرفة.