د. الهيثم الكندي يوسف يكتب: (الحِوَار) الغلب (شَيخُه)

رأي: خطوة برس
اخيرا خرج السيد رئيس مجلس السيادة ليضع حدا للتكهنات، ويبشر بإطلاق حوار وطني سوداني سوداني، وذلك بعد الأخبار التي شاعت خلال الأيام الماضية عن الأمر. وطريقة التسريبات هذه طالما اعتدناها من سيادته، ما يعزيه البعض بأن السيد الرئيس يرمي بمثل هذه التسريبات كبالونة اختبار. وقد كانت النتيجة الكثير من ردود الأفعال من الفرقاء السياسيين والتي يمكن ان نستخدمها كجزء من تحليل الوضع السياسي الراهن وتوقع المآلات.
ومن الأهمية الإشارة إلي ما شاع من استثناء السيد رئيس مجلس السيادة لمليشيا الدعم السريع وكذلك المؤتمر الوطني من المشاركة في هذا الحوار، وعلي الرغم من عدم حديثه صراحة عن استثناء المؤتمر ااوطني، إلا ان الكثير من الحبر قد سال عن هذا الموضوع. إلا أن الأمر الأكثر أهمية والذي لم يحظي بالكثير من النقاش، هو الأسئلة عن ماهية الحوار، والهدف منه ونتائجه المرجوة. ولماذا تتم الدعوة له في هذا الوقت بالذات؟.
وللإجابة عن هذه الأسئلة نحتاج أن نقرأ المشهد العسكري والسياسي والدبلوماسي المحلي والإقليمي المرتبط بالازمة السودانية. فمن ناحية تمارس ضغوط دولية قوية علي السلطة الشرعية لابتدار مسار مدني من الممكن ان يقود البلاد إلي سلام واستقرار يمكن من الوصول الي إنتخابات يختار فيها الشعب من يحكمه. ومن ناحية أخري يريد البرهان استغلال التقدم الميداني مسابقا المبادرات الدولية وساحبا للبساط من تحتها لهندسة المشهد السوداني القادم بما يحفظ سيادة البلاد وامنها الوطني بعيداً من تلك التدخلات التي طالما رغبت في اشراك المليشيا بوجه او آخر في الترتيات القادمة، وهو ما يرفضه الطيف الاوسع من السودانيين.
كما ان إرتدادات الحرب في الخليج العربي قد حتمت علي السودان ان يكون جزءاً من التحالفات التي افرزت نتيجة تلك الحرب، وبالتالي علي السودان ان يقوم ببعض المطلوبات التي تجعله مقبولا لدي تلك الاحلاف ويأتي علي رأس هذه المطلوبات ضرورة وجود حكومة مدنية. لذا يمكن ان نفهم لماذا جاءت دعوة رئيس مجلس السيادة لإطلاق الحوار في هذا الوقت ومن داخل البلاد.
أما الإجابة عن سؤال أهداف الحوار، فالراجح ان السيد رئيس مجلس السيادة يرغب في ترتيب أوراق مرحلة ما بعد الحرب وتأسيس الشرعية لحكمه، والوصول لتفاهمات سياسية حول تشكيل حكومة انتقالية تمنح الشرعية للترتيبات القادمة، والتي يري بعض المحللين السياسيين ان سيادته يرغب في إعلان نظام حكم مختلط يكون فيه رئيسا للجمهورية في ما يمنح القوي المدنية الحزبية الفرصة في تشكيل الحكومة ورئاستها، مما يمنع تعدد مراكز القرار وتضارب الصلاحيات، ويساعد علي تحمل المسؤوليات.
كما انه من المتوقع ان تكون وكنتيجة جانبية للدعوة المقدمة للقوي المدنية المعارضة هو شق صفها او اضعافها علي أقل تقدير، حيث ترافق الحديث عن الحوار مع أنباء عن ترتيبات لعفو رئاسي مرتقب لإسقاط التهم عن بعض القيادات المدنية والنشطاء، والهدف هو تهيئة البيئة لعودة القوي المدنية للداخل واشتراكها في الحوار.
والنتيجة فعلا انه قد تباينت ردود الفعل تجاه هذه الدعوة، فبينما أيدتها جهات وقوى سياسية كخيار لتفادي التدخل الخارجي، تم رفضها من قبل تحالف (صمود) والتي اعتبرتها محاولة لإدارة العملية السياسية من طرف واحد وتحت سلطة ما تسميه تارة (بمعسكر الحرب) وتارة (بالقوي الانقلابية). مما يهدد نجاح النتائج المرجوة من الحوار.
وبالرغم من ذلك فإنه حتي لو تم الحوار من دون هؤلاء، يكون البرهان قد لقنهم حجتهم واظهرهم للمجتمع الدولي بالرافضين لاي انتقال سلمي مدني، وليمضي الحوار بمن حضر.
بيد ان هذا ليس التحدي الوحيد الذي يواجهه البرهان لتحقيق ما يراه، فاقناع رفقائه العسكر في مجلس السيادة تحدي، والتعامل مع أطراف اتفاقية جوبا واستحقاقاتها تحد آخر يقتضي تحسب انعكاساته علي الميدان. كما انه من المتوقع وبالمضاغطات السياسية ان يناهض بعض منسوبي المؤتمر الوطني العزل السياسي.
وما بين طموحات البرهان ورفض صمود لدعوات الحوار وعدم وضوح موقف الإسلاميين في المشهد القادم، تبقي الواقعية انه لابد من تحقيق اختراق سياسي يفضي إلي وضع أفضل للبلاد، شرط إنهاء التمرد ووضع اسس تقضي علي أسباب الحرب وتضمن عدم عودتها.






