سابا.. من إنقاذ المستشفى إلى استعادة عافية الوطن

رأي: خطوة برس
في بلدٍ أثقلت الحرب كاهله، لم تكن المؤسسات الصحية بمنأى عن آثار الدمار، بل كانت من أكثر القطاعات التي دفعت ثمناً باهظاً نتيجة توقف الخدمات، وتضرر البنية التحتية، وخروج عدد من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، إلى جانب النزوح الواسع للسكان وتزايد الاحتياجات الطبية والإنسانية.
وفي خضم هذه الظروف، برز دور المنظمات الوطنية والإنسانية العاملة في المجال الصحي باعتبارها شريكاً أساسياً في الحفاظ على ما تبقى من منظومة الرعاية الصحية، والمساهمة في إعادة تشغيل المؤسسات التي تعرضت للدمار أو التوقف.
ومن بين الجهات التي واصلت حضورها في هذا المشهد، تأتي منظمة سابا التي اختارت أن تجعل من التدخل في القطاع الصحي وإعادة تأهيل المؤسسات الطبية جزءاً من استجابتها لتداعيات الحرب، واضعةً هدفاً يتجاوز تقديم الدعم الإسعافي المؤقت إلى المساهمة في إعادة بناء بيئة صحية قادرة على الاستمرار وتقديم الخدمة للمواطنين.
فرضت الحرب واقعاً صحياً جديداً، لم تعد فيه الحاجة مقتصرة على توفير الدواء أو المستلزمات الطبية، وإنما امتدت إلى إعادة تأهيل المستشفيات وتجهيز الأقسام المتضررة، وإعادة الخدمات التي توقفت، وتهيئة بيئة مناسبة للعاملين في المجال الصحي.
وفي هذا السياق، جاءت تدخلات منظمة سابا في عدد من المؤسسات الصحية باعتبارها استجابة عملية لحاجة ملحة تتمثل في إعادة المرافق الصحية إلى دائرة الخدمة.
وتحمل إعادة تأهيل المستشفيات في ظل الحرب أهمية خاصة، لأنها لا تعني فقط إصلاح المباني أو توفير الأجهزة، وإنما تعني استعادة قدرة المؤسسة على أداء رسالتها الطبية، وفتح أبوابها أمام المرضى، وإعادة الثقة في إمكانية استمرار الخدمات الصحية رغم الظروف الاستثنائية.
وقد ارتبطت تدخلات المنظمة، وفق هذا التوجه، بتأهيل المرافق وتجهيز الأقسام وتوفير المعدات والمستلزمات الضرورية للتشغيل، بما يساعد المؤسسات الصحية على استعادة جزء من قدرتها على تقديم خدماتها للمواطنين.
ويمثل تأهيل مستشفى إبراهيم مالك أحد النماذج التي تعكس طبيعة التدخلات التي نفذتها منظمة سابا في القطاع الصحي خلال فترة الحرب.
فالمستشفى تعرض لأضرار كبيرة نتيجة الحرب، الأمر الذي جعل إعادة تشغيله بحاجة إلى تدخل يتجاوز المعالجة الجزئية، وهو ما دفع نحو العمل على إعادة تأهيل أجزاء أساسية منه وتجهيزها لاستقبال المرضى.
وجاء افتتاح قسم الطوارئ بالمستشفى، الذي يضم عشرات الأسرة المجهزة بالمعدات والأجهزة، ضمن الجهود الرامية إلى إعادة الخدمات الصحية إلى المؤسسات التي تضررت خلال الحرب.
لكن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في افتتاح قسم بعينه فحسب، وإنما في كونها جزءاً من مسار أوسع لإعادة المؤسسات الصحية إلى الخدمة، وتعزيز قدرتها على التعامل مع الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وتكتسب هذه الجهود أهمية أكبر في ظل عودة الحياة تدريجياً إلى ولاية الخرطوم، وما يصاحب ذلك من ارتفاع الحاجة إلى الخدمات الطبية الأساسية والمتخصصة، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيل المستشفيات أحد المكونات الرئيسية لمرحلة التعافي.
تدرك منظمة سابا أن الأزمة الصحية الناتجة عن الحرب لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية أو عودة المواطنين إلى مناطقهم، فالدمار الذي أصاب المؤسسات الصحية يترك آثاراً طويلة المدى على قدرة الدولة والمجتمع على توفير الرعاية الطبية.
ومن هنا، فإن إعادة تأهيل المستشفيات تمثل استثماراً في مرحلة ما بعد الحرب، لأنها تضع الأساس لاستعادة النظام الصحي تدريجياً، وتساعد في تخفيف الضغط عن المؤسسات التي ظلت تعمل طوال فترة الأزمة.
وتتسع الحاجة أيضاً إلى دعم الخدمات التخصصية، وتوفير الأجهزة والمعدات، وتأهيل الكوادر، وتحسين بيئة العمل داخل المؤسسات الطبية، وهي ملفات تتطلب تضافر جهود الدولة والمنظمات والقطاع الخاص ورجال الأعمال والخيرين.
وفي هذا الإطار، تبدو تجربة سابا أقرب إلى نموذج للشراكة بين الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية والمجتمع، بحيث تتكامل جهود إعادة الإعمار مع مسؤولية الدولة في توفير الخدمة الصحية.
وسط هذه الظروف، برز دور مدير منظمة سابا، الدكتور علي السيد، في قيادة جهود المنظمة وتعزيز حضورها في المجال الصحي خلال فترة الحرب.
فإدارة العمل الإنساني والصحي في بيئة مضطربة ليست مهمة سهلة؛ إذ تتطلب القدرة على تحديد الأولويات، وتوجيه الموارد المحدودة نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، والتنسيق مع المؤسسات الصحية والجهات الرسمية، إلى جانب متابعة عمليات التأهيل والتجهيز حتى تصل إلى مرحلة التشغيل.
وقد اتجهت المنظمة، تحت إدارة الدكتور علي السيد، إلى التعامل مع القطاع الصحي باعتباره أحد المداخل الأساسية للتعافي، وليس مجرد قطاع إغاثي مؤقت.
ويظهر هذا التوجه في الاهتمام بإعادة المؤسسات الصحية المتضررة إلى الخدمة، والعمل على توفير بيئة تسمح باستمرار تقديم الرعاية الطبية، مع الحفاظ على استدامة التدخلات بدلاً من الاكتفاء بالحلول قصيرة الأجل.
وفي حديثه خلال إعادة تأهيل مستشفى إبراهيم مالك، أكد الدكتور علي السيد أن عودة المستشفى للعمل تأتي تحت شعار «عافيتنا عافية وطن»، في رسالة تعكس ارتباط القضية الصحية بالتعافي الوطني بصورة عامة.
فصحة المواطن، في نهاية المطاف، ليست قضية خدمية منفصلة عن بقية قضايا الدولة، وإنما هي عنصر أساسي في استقرار المجتمع وقدرته على تجاوز آثار الحرب.
0 الحفاظ على الكوادر الصحية جزء من المعركة
من أبرز جوانب الأزمة التي خلفتها الحرب، إلى جانب تدمير المنشآت، الضغط الكبير الذي تعرض له العاملون في القطاع الصحي.
فالأطباء والممرضون والفنيون والعاملون في المؤسسات الصحية واصلوا أداء واجبهم في ظروف بالغة الصعوبة، في كثير من الأحيان وسط نقص في الإمكانات والمستلزمات، وتعرض عدد من المؤسسات للتوقف أو الخروج من الخدمة.
ولهذا، فإن إعادة تأهيل المستشفى لا تكتمل بإعادة بناء الجدران أو إدخال الأجهزة، وإنما تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء بيئة العمل التي تمكن الكوادر الصحية من أداء مهامها.
ومن هذا المنطلق، فإن استدامة الخدمات الصحية التي تؤكد عليها منظمة سابا ترتبط بصورة مباشرة بتهيئة بيئة آمنة ومناسبة للتشغيل، وتوفير الاحتياجات التي تساعد الكوادر الطبية على الاستمرار في أداء رسالتها.
0 شراكة مع الدولة والمجتمع
لا يمكن لمنظمة واحدة، مهما كانت إمكاناتها، أن تتولى وحدها مهمة إعادة بناء القطاع الصحي الذي تضرر بفعل الحرب.
ولهذا، فإن أحد أهم أبعاد تجربة سابا يتمثل في العمل ضمن مساحة الشراكة مع المؤسسات الحكومية والجهات الصحية، إلى جانب المنظمات والقطاع الخاص ورجال الأعمال والمجتمع.
وقد أكدت القيادات الصحية خلال الفعاليات المرتبطة بإعادة تشغيل المؤسسات التي تم تأهيلها، أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات في دعم مرحلة التعافي.
كما برزت الدعوات إلى تفعيل التأمين الصحي وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، حتى لا يتحمل المواطن وحده كلفة الأزمة الاقتصادية والصحية التي خلفتها الحرب.
وهنا يمكن أن تلعب المنظمات دوراً مهماً في سد الفجوات خلال المرحلة الانتقالية، إلى أن تستعيد مؤسسات الدولة كامل قدراتها التشغيلية والتمويلية.
0من إعادة التأهيل إلى الاستدامة
التحدي الحقيقي أمام التدخلات الصحية لا يكمن فقط في إعادة افتتاح المستشفى أو القسم الطبي، وإنما في ضمان استمراره في تقديم الخدمة بعد ذلك.
فالمبنى يحتاج إلى صيانة، والأجهزة تحتاج إلى تشغيل وصيانة، والخدمات تحتاج إلى إمداد مستمر بالأدوية والمستلزمات، والكوادر تحتاج إلى بيئة عمل مستقرة.
ولهذا، فإن حديث منظمة سابا عن استدامة الخدمات الصحية يكتسب أهمية خاصة، لأنه ينقل التدخل من مفهوم المساعدة العاجلة إلى مفهوم الشراكة طويلة المدى.
وتصبح المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً، لأنها ستحتاج إلى الانتقال من إعادة تشغيل المؤسسات إلى رفع كفاءتها، وإعادة الخدمات التخصصية، وتطوير البنية التحتية، وربط المؤسسات الصحية باحتياجات المجتمعات التي تخدمها.
0تجربة يمكن البناء عليها
ما تقوم به سابا في القطاع الصحي يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من الجهد الوطني الأوسع لمعالجة آثار الحرب على المؤسسات الخدمية.
فإعادة تأهيل مستشفى إبراهيم مالك، وما رافقها من تجهيز لقسم الطوارئ وتوفير المعدات والأسرة، تمثل نموذجاً عملياً لما يمكن أن تسهم به المنظمات في مرحلة التعافي.
لكن القيمة الأكبر للتجربة تكمن في إمكانية تكرارها في مؤسسات أخرى تضررت من الحرب، بحيث تتحول عمليات التأهيل من مبادرات منفردة إلى مسار متكامل لإعادة بناء القطاع الصحي.
وهنا تبرز أهمية الدعوة التي أطلقها عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق الركن بحري مستشار إبراهيم جابر لتعميم تجربة سابا في قطاعات أخرى، باعتبار أن إعادة الإعمار مسؤولية جماعية تتطلب الاستفادة من كل تجربة ناجحة.
بعد سنوات الحرب وما خلفته من نزوح ودمار وتراجع في الخدمات، فإن استعادة القطاع الصحي لعافيته تمثل أحد المؤشرات المهمة على قدرة السودان على الدخول في مرحلة جديدة.
وفي هذا السياق، لا تبدو المستشفيات مجرد مبانٍ تقدم العلاج، بل مؤسسات ترتبط مباشرة بحياة الناس واستقرار المجتمعات.
ومن هنا، فإن تدخلات منظمة سابا في إعادة تأهيل المستشفيات ودعم الخدمات الصحية تكتسب بعداً يتجاوز العمل الإنساني المباشر، لتصبح جزءاً من عملية التعافي وإعادة البناء.
وبقيادة الدكتور علي السيد، تواصل المنظمة العمل في مساحة شديدة التعقيد، بين الاحتياجات العاجلة ومتطلبات إعادة الإعمار، وبين محدودية الموارد واتساع حجم الضرر.
وربما تختصر عبارة «عافيتنا عافية وطن» جوهر هذا الدور؛ فكل مستشفى يعود إلى الخدمة، وكل قسم طبي يستعيد قدرته على استقبال المرضى، وكل جهاز يعود للعمل، وكل طبيب وممرض يجد بيئة مناسبة لأداء مهمته، يمثل خطوة في طريق استعادة عافية المجتمع والدولة.
وفي بلد أنهكته الحرب، تصبح إعادة بناء المستشفيات أكثر من مشروع خدمي؛ إنها إعادة بناء لجزء من الحياة نفسها، ورسالة بأن ما دمرته الحرب يمكن أن تبدأ عملية استعادته بالإرادة والشراكة والعمل المستمر





