ترانيم الوفاء في حضرة العطاء.. “الرحماب” ترسم لوحة التلاحم الوطني وتخليد ذاكرة الرموز والشهداء

محليــة المتمة .. الرحمـاب :
خالد محمــد الباقـــــر
⭕ في تجليات المشهد السوداني الأصيل، حيث تلتقي وشائج القربى بعظمة الإنجاز، احتضنت قرية “الرحماب” بمحلية المتمة في ولاية نهر النيل محفلاً باذخاً تجاوز في معناه حدود التكريم التقليدي ليكون تظاهرةً للقيم ومهرجاناً للوفاء، استُهل بقراءة سيميائية بليغة تجلت في لافتة الحفل التي لم تكن مجرد إعلانٍ عابر، بل وثيقة بصرية مكتنزة بالدلالات؛ حيث تربع في أعاليها الرموز السيادية لتمنح الاحتفالية شرعيتها الروحية والوطنية، مجسدةً تلاحم “المحلي” بالسيادي في إشارة ذكية لالتفاف القاعدة الشعبية حول قيادة الدولة، وهو ما توج بتكريم رئيس مجلس السيادة ، ووالي ولاية نهر النيل في بيان وجداني يؤكد أن استقرار الوطن هو الغاية الأسمى .
⭕ وقد برزت في هذا المحفل عبقرية التنظيم التي قادتها اللجنة الإدارية لقرية الرحماب، والتي أحكمت قبضتها على تفاصيل الإعداد والترتيب بصورة أدهشت الحضور، مظهرةً قدرة فائقة على إدارة الحشود وتوجيه الخطاب المجتمعي نحو آفاق أرحب من التكاتف، حيث امتزج الجهد الإداري بالروح الأهلية ليرسم لوحة من الانضباط والجمال .
⭕ وقد أضفى تشريف المدير التنفيذي لمحلية المتمة، الأستاذ شمس الدين محجوب علي، بُعداً ملهماً للحدث؛ إذ غاص في تحليل الأثر التنموي للمنطقة، مثمناً الدور الريادي للشخصيات التي أسهمت في نهضتها، وخصّ بالذكر انحياز أهل الرحماب التاريخي لقيمة التعليم، وهو ما تجسد في اختيار مدرسة القرية لتكون مسرحاً لهذا الكرنفال، لتغدو جدرانها شاهداً حياً على همة الأهالي ومنارةً للعلم أكد سعادته على دعمها ورعايتها كنموذج يحتذى به .
⭕ وفي لحظات غمرتها مشاعر الفخر، توج الكرنفال رموزاً وهاماتٍ شمخت في سماء العطاء، وعلى رأسهم عبد الرازق الأحمر وعباس السر عباس، لتمتد يد الوفاء وتشمل كل من وضع لبنة في صرح هذا المجتمع، وصولاً إلى اللحظة الأكثر مهابة وتجلياً بتكريم شهداء الرحماب في “معركة الكرامة”، في تشريح وجداني عميق يؤكد أن الدماء التي سُفكت لصون الوطن هي الحاضر الأكبر والدافع الأسمى للبناء .
⭕ ولأن الوفاء لا يكتمل إلا بنبض الحماس، فقد جمّل الاحتفالية الفنان المقاتل سعد الله ضرار، الذي الهب المشاعر وحرّك السواكن بترديد أغنيات حماسية وطنية اتسمت بجزالة اللفظ ورجولة الموقف، فكان صوته صدىً لبطولات المنطقة وامتداداً لكرامتها، محولاً باحة التكريم إلى ملحمة وطنية تعانق فيها اللحن مع البذل .
⭕ إن هذا الاحتشاد المهيب، الذي ضم الإعلاميين والصحفيين والشخصيات العامة، لم يكن إلا ملحمة سوسيولوجية حللت بذكاء علاقة الإنسان بمكانه، وأثبتت أن الوفاء حين يسكن القلوب يتحول إلى طاقة محركة للإبداع والجمال، ليظل هذا الحدث محفوراً في جدار بيوت منطقة الرحماب، ومنقوشاً في ذاكرة إنسانها ما كانت الحياة، كقصة حب كُتبت فصولها بمداد الصدق، وأعلنت للعالم أن العطاء هو العملة الوحيدة التي لا تبلى في سوق القيم الإنسانية .






