رأي

د. بابكر عبدالله محمد يكتب : يوميات من الريف السوداني والمصري (2 من 4)

رأي : خطوة برس

بسم الله الرحمن الرحيم

نخصص منشور اليوم لاستعراض بعض ملامح الريف السوداني، الذي يُراد له أن يتحضر أو يدخل في النطاق الحضري دون المرور بمراحل التطور الريفي الأولية التي ما زالت ماثلة للعيان. هذه الصورة الريفية الأصيلة لم أتمكن من مشاهدتها قبل هذه الحرب، التي فتحت لي المجال لزيارة مناطق عديدة لم يسبق لي أن زُرتها، أو ربما كنت قد قرأت عنها في كتب الجغرافيا والتاريخ، أو من خلال روايات علماء الآثار بلغة مروي القديمة، أو في مخطوطات كتبت بلغات اندثرت أو لم تُنقل إلينا عبر العربية بشكل دقيق لنستيقن من صحتها ونرويها او نعيد روايتها بشكل توجيهي حسب رؤية من ينقلها فنقل التاريخ عبر الاجيال يرتبط بطرائق الاعتقاد والافكار واحيانا اهواء النفس الامارة بالسوء.

### **حضارة سودانية عريقة**
من الواضح أن هناك شواهد كثيرة على حضارة مادية مزدهرة في مختلف أنحاء السودان، خاصة في شماله، حيث قامت حضارة كوش العظيمة التي اعتمدت على:
– **الصناعة**: صهر الحديد، استخراج الذهب، صناعة الفخار والخزف والسيراميك.
– **الزراعة**: التي كانت القاعدة الأساسية لهذه الحضارة، إذ لا توجد حضارة دون ازدهار زراعي يسبقها.
– **التجارة والاتصال بالعالم**: عبر أسواق ومنتجات متعددة، مما يدل على التواصل الحضاري مع الشعوب المجاورة.

### **الريف السوداني: جمال وحياء عذراء ينتظر التخطيط والتزاوج والنماء **
نعود إلى الريف في أقصى شمال السودان، حيث تقع **حلفا** عند دائرة عرض 21.55 شمالًا وخط طول 31.19 شرقًا، على الضفة الشرقية للنيل. تمتد حدودها حتى قرى **دال** و**سركمتو**، وتضم قرى صغيرة مثل ** الدويشات ** وسمنة ** صرص ** التيري ** والبير ** ويطلق عليها أرض الحجر **

#### **خصوبة الأرض وإمكانات الزراعة**
– **التربة**: طينية رسوبية، غنية بالطمي الذي يجلبه النيل، مما يجعلها مناسبة للزراعة.
– **الري**: يعتمد المزارعون على **المضخات (الطلمبات)** أو **الري الفيضي**، لكن بناء السد العالي في مصر غيّر من طبيعة المنطقة.
– **التحديات**: رغم خصوبة الأرض، فإن سوء التخطيط وغياب الاستثمار جعل الريف السوداني في اقصي شماله يعتمد على الريف المصري في توفير الخضراوات والفواكه، رغم أن إمكاناته تفوق ما هو متاح حاليًا.

#### **حلفا: صمود أمام التحديات**
بعد بناء السد العالي، تشكلت **بحيرة ناصر**، مما أدى إلى غمر أجزاء من حلفا القديمة. لكن الطبيعة والإنسان تحديا هذا المصير:
– ت
شكلت البحيرة لسان نهري كبير يلف المدينة في شكل **لسانان نهريان** حول المدينة، مما ساعد الأهالي على البقاء.
– ومع ذلك، ما زالت المدينة تعاني من **انقطاع المياه** وضعف الخدمات، رغم قلة سكانها واعتمادها شبه الكامل على واردات الريف المصري.

### **مقارنة بين الريف السوداني والمصري**
أشعر **بحزن غامر** حين أقارن بين الريف السوداني والمصري:
– **الريف المصري**: إنتاج واسع من الخضر والفواكه والاعلاف ، لكنه يعاني من التلوث وفساد الجودة.
– **الريف السودانيـ**عذراء غنية بمواردها**، لكنها مهملة، تنتظر من يكتشف كنوزها ويُفجّر طاقاتها.

### **خاتمة: البيئة والإفساد**
يقول الله تعالى:
> **﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾** (الأعراف: 56)

الإنسان بطموحه المادي أفسد البيئة، رغم أن السودان ما زال يحتفظ بجزء من نقائه، لكنه يحتاج إلى **إرادة وعمل** لاستعادة مكانته.

د. بابكر عبدالله محمد علي
الي اللقاء في المنشور القادم عن وادي حلفا ومحاولة.ايجاد.تعريف تفاعلي .
الاثنين 16 يونيو 2025م**
صورة حديثة لمدينة وادي حلفا القديمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى