رأي

خالد محمــد الباقـــــر يكتب : على نـــار هادئـــــــة … أزمة العجز المُتوارِث في جسد الدولة

رأي:خطوة برس

🔹في عمق كل مؤسسة حكومية، وكل ديوان وزاري، تكمن أزمة ليست في نقص الكفاءة بالضرورة، بل في توزيع مقاييس القوة بين سلطة الاسم وسلطة الفعل. إنها ظاهرة تضع الإدارة العامة في مهب العجز المُتوارث، وتجعل أروع القرارات المُعلنة لا تتجاوز حدود الغرف المُغلقة، لتستقر في ردهات البيروقراطية المُترهِّلة بدلاً من أن تتحول إلى إصلاح يُلمَس.
🔹 هنا يكمن الفرق الجوهري بين مَن يملك شرف الإصدار ومن يملك خيوط التنفيذ. فرأس الهرم ، الوزير أو المدير الاسمي ، يُصدر الأحكام والخطط الطموحة، معتقدًا أن سلطته تكمن في التوقيع على الأوراق أو إلقاء المراسيم. يعيش هذا القائد في فضاء التبشير بالإصلاح، يرى نفسه مُحرِّكًا للتنمية، في حين أن قراراته ما هي إلا أصداء لا تحدث اهتزازًا حقيقيًا في الواقع. إنها سلطة شكلية، تفتقر إلى الأداة الجوهرية التي تحوِّل الإرادة إلى واقع ملموس.
🔹 أما القوة الحقيقية، فتتمركز في أيادي البيروقراطيين الخفيين، أولئك الذين لا يطمحون إلى الأضواء، بل يسيطرون على أضابير الأدراج . هذا النافذ الفعلي، والذي قد يكون مدير مكتب أو رئيس قسم تنفيذي مُتمرِّس، يمتلك ناصية الإجراءات وخبايا اللوائح، محوِّلًا سُلطته إلى قوة التعطيل الصامتة. إنه الحاكم الفعلي الذي يختار متى ينفذ القرار ومتى يؤجله إلى أجل غير مسمى، مُستخدمًا سلاح الروتين المُقدَّس لقتل كل مبادرة إصلاحية فور ولادتها. بالنسبة له، الأضابير ليست مجرد سجلات؛ بل هي مقبرة الأحكام التي ينام فيها صوت الحاكم الاسمي دون أن يُبعث ليوم عمل.
🔹 هذا الانفصام بين سلطة التعيين وسلطة التمكين يُشيع شللًا هيكليًا في شرايين الدولة. فبينما يُنفق الجهد والمال على صياغة الخطط الإستراتيجية والمؤتمرات الإعلامية، تُهدر الإمكانيات الفعلية في انتظار إشارة من سلطة الظل.
🔹 النتيجة الواضحة هي تآكل عميق في ثقة المواطن، الذي يرى وعود الدولة تتساقط كالأوراق الذابلة دون أن تتحول إلى خدمات أو تنمية ملموسة.
🔹 إن معالجة هذه العلة تبدأ بإعادة تعريف ماهية السلطة في مؤسساتنا. يجب تفكيك قبضة البيروقراطية المُعطِّلة عبر منظومة شفافة تربط إصدار القرار بآليات تنفيذ دقيقة ومحاسبة فورية. لا إصلاح يمكن أن يستقيم ما دامت الكلمة الفصل في إدارة شؤوننا مُناطة بمن يملك إخفاء المراسيم في أدراج النسيان، لا بمن يملك شجاعة الإعلان عن رؤى المستقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى