خالد مـحــمـد الباقـــــــــر يكتب : على نـــــــار هادئــــــــــــة … شموس لا تغيب ، في رحاب اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة

رأي: خطوة برس
الثالث من ديسمبر، ليس مجرد تاريخ عابر في تقويم الزمن، بل هو نقطة ضوء تستدعي تأملاً عميقًا في مسيرة شريحة عزيزة على قلوبنا، ممن اختاروا أن يكونوا متحدي الإعاقة لا ضحاياها. إنه اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال العابر لتصبح فضاءً إنسانيًا يرسخ مفاهيم الإدماج والمساواة والإنصاف. هذه الفئة، التي تحمل في طياتها قصصًا ملهمة عن الصمود والتألق، تمتلك رصيدًا هائلاً من المزايا والقدرات التي غالبًا ما تتوارى خلف حجاب القصور الجسدي أو الحسي. إنهم عناصر فاعلة ومؤثرة في نسيج المجتمع، ويجب أن يُنظر إليهم من منظور الكفاءة لا الشفقة. فالقوة الكامنة لديهم تتجسد في إصرار لا يلين وقدرة فائقة على التكيف، صقلتها التجربة وعمّقتها التحديات. هذا الجلد الروحي يمنحهم تفوقًا في مجالات تتطلب الصبر والتحمل والتركيز، مما يدفع الكثير منهم نحو دروب الإبداع والابتكار ليصبحوا فنانين لامعين، أو أدباء بعمق التجربة، أو علماء يضيئون دروب المعرفة. إن وجودهم يذكرنا دائمًا بأهمية التنوع وقيمة الحياة في أبهى صورها، فهم المعيار الذي نقيس به مدى تحضر المجتمعات وعدالتها.
لكن على الرغم من هذه الإرادة الصلبة، تظل هناك تركة ثقيلة من التحديات والمعوقات التي يواجهونها يوميًا، وهي في غالبها صنيعة بشرية أكثر منها قضاءً إلهيًا. فالبيئة العمرانية لا تزال في كثير من الأحيان عدوًا لدودًا لهم، من انعدام المنحدرات المناسبة إلى غياب وسائل النقل الميسرة؛ هذا الإقصاء المكاني يحول دون اندماجهم الطبيعي. ويزداد الأمر تعقيداً بالحاجز الذهني الأشد قسوة، وهو الوصم الاجتماعي والنظرة الدونية التي تختزل الإنسان في عجزه، لتشكل إعاقة مجتمعية تقوّض الثقة وتحد من الفرص. ولا يزال الكفاح مستمرًا لضمان حقوقهم كاملة في التعليم الشامل، والتوظيف العادل، والمشاركة السياسية والثقافية دون تمييز. التحدي يكمن في الانتقال من مرحلة “توفير الخدمات” إلى مرحلة “تفعيل الحقوق” كواجب دستوري وأخلاقي على عاتقنا جميعاً.
إن الاحتفاء باليوم العالمي للإعاقة يجب أن يتحول إلى مشروع عمل مستدام. يتوجب علينا تفعيل القوانين التي تضمن نسبة توظيف عادلة، والاستثمار في التصميم الشامل في كل المرافق لضمان استقلاليتهم وكرامتهم. كما يجب علينا محاربة اللغة السلبية وتعزيز التمثيل الإيجابي لترسيخ مفهوم أن الإعاقة هي جزء من التنوع البشري وليست نقصًا. في الختام، إن متحدي الإعاقة ليسوا بحاجة إلى منح بل إلى حقوق. إنهم طاقة كامنة تنتظر فرصة لتبدع وتساهم. فلنجعل هذا اليوم ليس مجرد ذكرى عابرة، بل ميثاقًا مجتمعيًا نلتزم فيه جميعًا ببناء عالم تكون فيه العزيمة هي اللغة الوحيدة السائدة، وأن الكرامة الإنسانية لا تعرف الإعاقة.




