رأي

د. معاوية عبيد يكتب : صرير القلم … صفعات على وجه الشعب السوداني

رأي : خطوة برس

ليست كل الصفعات تلك التي تهوي على الوجوه، فبعضها يسقط على القلوب، وبعضها يترك ندوباً في ذاكرة الأوطان لا تمحوها السنون .
يحكي أحدهم أنه كان يستقل إحدى وسائل المواصلات العامة، وكان يجلس أمامه امرأة برفقة شاب في مقتبل العمر لا يتجاوز العشرين عاماً، وفجأة ومن دون سابق إنذار، صفعت المرأة الشاب بقوة، فذهل الرجل مما رأى. غير أن الشاب تمالك نفسه، ولاذ بالصمت. ولم تمض دقائق حتى عادت المرأة وصفعته مرة أخرى.
لم يحتمل الرجل المشهد، فتقدم قائلاً للشاب: ( تعال واجلس في مكاني، وسأجلس أنا هنا، لعل هناك سوء فهم . ) لكن الشاب أجابه بهدوء أثار الدهشة: “هذه والدتي، وهي تعاني مرضاً نفسياً، ومن واجبي أن أتحملها، فهي التي حملتني وربتني.”
نزل الرجل في محطته، لكنه حمل معه سؤالاً ظل يرافقه: أي برّ هذا الذي يجعل الابن يحتمل الأذى حباً ووفاءً لوالدته؟
هذه القصة ليست عن صفعة أم لابنها، وإنما عن القدرة على احتمال الألم حين يكون الصبر واجباً، وعن الدروس التي تصنعها المحن.
فالصفعات المؤلمة في الحياة ليست نهاية الطريق، بل كثيراً ما تكون بداية الوعي. فصدمة الخيانة تعلم الإنسان ألا يمنح ثقته بلا حدود، وفقدان الثقة يعيد ترتيب معايير التعامل مع الآخرين، أما الفشل في العمل أو الدراسة فيغرس الإصرار على النهوض من جديد.
ومن رحم الألم تولد الدروس؛ فالمحن تبني المناعة العاطفية، وتكشف معادن الرجال، وتعيد ترتيب الأولويات، وتجعل الإنسان أكثر نضجاً في قراءة الواقع.
وإذا انتقلنا من الأفراد إلى الأوطان، فإن الشعب السوداني ربما يكون من أكثر الشعوب التي تلقت صفعات التاريخ ،لقد تلقى الشعب السوداني سلسلة من “الصفعات” التي تركت ندوبًا في الذاكرة الجمعية
و تعاقبت عليه الأزمات والحروب والانقسامات، وسقط آلاف الضحايا في صراعات أنهكت البلاد وأثقلت كاهل المواطنين. ورغم ذلك، ظل السودانيون في كل مرة يحاولون تجاوز الجراح والبدء من جديد، إيماناً بأن الوطن أكبر من الخلافات، وأن التعايش هو السبيل الوحيد للمستقبل ، جاءت الصفعة الاولي ،صفعة الخليفة التعايشي التي مزقت النسيج الاجتماعي ، ومع ذلك عاش السودانيون إخوة، يتناسون المأساة مؤقتًا، لكن الذكرى تبقى كجرح ينزف عند كل أزمة، ثم جاءت الصفعة الاقوي و اهلكت الاقتصاد السوداني و انهت المورد البشري : تمرد الجنوب وفقدان الآلاف في الحروب، ثم الانفصال، كان صفعة عاطفية وهوية. تعهد الناس بعدم التعامل مع “الجنوبيين”، لكن الحياة تدور، وعاد الكثيرون ليعيشوا في الشمال. هنا، نرى كيف يُجبر الواقع على فلترة العلاقات فالبعض يبقى، والبعض يرحل، لكن التعايش يظل خيارًا صعبًا وضروريًا .

لم يذوق الشعب السوداني حلاوة الاستقلال و ظل في انقسام داخلي حزبي و طائفي و تنافس الأحزاب على كرسي السلطة ، وتلاسن الناس في المظاهرات، كل يمجد حزبه. ثم يأتي الفائز والخاسر، لكن الكرسي يبقى، والشعب يعيش مع آلامه. هذه الصفعات المهنية والسياسية تُعلِّم إعادة ترتيب الأولويات: فالشعب يتعلم أن يركّز على بقائه وكرامته قبل ولائه لشعارات زائفة ، ثم تولدت صفعة أخري باسم الحركات المسلحة التي شلت يمين الشعب السوداني و أرهقت الحكومات المتعاقبة و لكن تناسي الشعب و عاد للعيش بعد ان وقعت الحكومات اتفاقيات السلام ،ثم جاءت الطامة الكبري الصفعة الديسمبرية القحطاوية التي أدخلت السودان في نفق مظلم لم يشهد التاريخ مثالا له في كل أنحاء المعمورة ، كلها صفعات تذكر بالسقوط بعد محاولات النهوض ، و صقلت هوية الشعب السوداني ، و لكن كما في قصة الولد، هناك صمت وقتي، ثم بناء مناعة عاطفية تجعل السوداني أكثر حذرًا، وأقدر على قراءة المشهد ، غير أن السنوات الأخيرة حملت الصفعة الأقسى، حين اندلعت الحرب التي مزقت المدن، وشردت الملايين، وأزهقت الأرواح، ودمرت البنية التحتية، وبددت أحلام أجيال كاملة، لم تعد الصفعة موجهة إلى فرد أو جماعة، بل أصابت السودان كله في أمنه واقتصاده وتعليمه وصحته ونسيجه الاجتماعي، ورغم قسوة هذه التجربة، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تنهض باليأس، وإنما بالاعتراف بأخطائها، والتمسك بوحدتها، وبناء دولة يسودها القانون والعدالة، ويكون فيها السلاح حكراً على مؤسسات الدولة، وتعلو فيها مصلحة الوطن على كل انتماء ضيق . إن أخطر ما يمكن أن يفعله شعب بعد كل هذه الصفعات هو أن ينسى الدرس. فالأمم التي لا تتعلم من ماضيها تظل تدور في الحلقة نفسها، وتعيد إنتاج المآسي بأشكال مختلفة .
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً، ولا يزال يدفعه ، ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه: هل ستكون هذه الصفعات بداية لصحوة وطنية تعيد بناء السودان على أسس جديدة، أم أنها ستظل مجرد فصل آخر في كتاب طويل من الألم؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي مسؤولية كل من يؤمن بأن السودان يستحق مستقبلاً أفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى