منوعات

خالد مـحــمـد الباقـــــــــر يكتب : على نــــــــــار هادئــــــــــــة يجب أن يكون الفنان قيثارة للانتماء الحقيقي ، كفعلِ مقاومةٍ وذاكرةِ وطن

..

⭕ في اللحظات الفارقة من تاريخ الأمم، حين تشتدُّ المحن وتتداعى الخطوب، لا تعود الفنون ترفاً جمالياً أو تزجيةً للوقت، بل تتحول إلى ضرورة وجودية وفعلِ مقاومةٍ يعيد صياغة الوجدان الجمعي. إن الوطن الذي رمانا بالعزة صغاراً، ينتظر منا اليوم أن نردَّ الجيلَ اعتزازاً وصموداً، وهنا يبرز دور “الفنان المعلم” كحارسٍ للذاكرة وملهمٍ للضمير، ليؤكد أن الكلمة والنغمة والريشة هي أسلحةٌ لا تقلُّ مضاءً عن أعتى الترسانات في معارك البقاء وإثبات الهوية.
⭕ إن الرسالة الفنية في جوهرها هي عملية وعيٍ عميق بمآلات الواقع، فالفنان ليس مجرد مؤدٍّ تنتهي مهمته بانتهاء العرض، بل هو مثقفٌ عضوي يحمل على عاتقه مسؤولية تنوير المجتمع وتبصيره بمكامن قوته. فحين يغني الفنان للوطن، هو لا يترنم بالكلمات، بل يضمد جراح الأرض ويستنهض الهمم الراكدة، محولاً اليأس إلى طاقة خلاقة، والخوف إلى ثباتٍ يدكُّ صخر المحن. هذا الفن الواعي هو الذي يمنح المجتمع القدرة على الوقوف شامخاً، لأنه يستمد شرعيته من آلام الناس وآمالهم، ويصهرها في قالب إبداعي يتجاوز حدود الزمن ليصبح نشيداً للأجيال.
⭕ إننا اليوم أحوج ما نكون إلى غناءٍ وطني يتسم بالرصانة والعمق، غناءٍ يبتعد عن الشعارات الجوفاء ليعانق جوهر القضية، فالمجتمع بأسره يقف اليوم في انتظار كلمة الفنان، ليس ليلهيه عن واقعه، بل ليعيد ترتيب هذا الواقع ويدفعه نحو الانتصار. إن تأهيل المادة الفنية لغوياً وفكرياً يتطلب من الفنان ثقافةً موسوعية وإدراكاً لغوياً متميزاً، ليكون خطابه مؤثراً في العامة والخاصة على حد سواء. إنها دعوة للفن ليمارس سلطته الأخلاقية والمعرفية، وليؤكد أن العزة التي تربينا عليها هي البوصلة التي توجه إبداعنا لنصرة الوطن ورفعة شأنه، فالفن الذي لا ينصر وطنه في محنته هو فنٌ فاقد لروحه، والكلمة التي لا تضيء عتمة الحاضر هي كلمة ولدت ميتة .

زر الذهاب إلى الأعلى