“أركا …. عمياء”

بقلم : د. الهيثم الكندي يوسف
(الحجلة) لعبة شعبية، شاهدنا جيلنا من أخواتنا وصديقاتهن وهن يلعبنها، تقفز إحداهن مغمضة العينين داخل مربعات مرسومة على الأرض، تحرك بقدمها حجراً صغيراً من مربع إلى آخر وهي تنادي (أركا)، فإن نجحت دون أن تطأ قدمها الحدود رددت بقية اللاعبات (أركا)، وإن فشلت كان ردهن (عمياء)، لتبدأ لاعبة أخرى المحاولة، وهكذا دواليك.
بالله عليكم، أليس هذا هو عين ما تقوم به حكومتنا المبجلة ومؤسساتها؟! تقفز إلى مربع القرار، ثم ترقب رد فعل الرأي العام. فإن لم يكترث أو يبدِ معارضة مضى الأمر، وإلا تراجعت عنه، لتبدأ دورة جديدة من اللعب أو سمه ما شئت. ويمكن ضرب الكثير من الأمثلة التي حفلت بها الكتابات خلال الأيام الماضية إثر ارتدادات موضوع (العسجد)، لكني سأكتفي بما سبقها في الفترة القصيرة الماضية، كموضوع صيانة جسر الحلفايا، وقرار حظر استيراد السلع التي سميت كمالية.
تكمن الأسباب وراء ذلك في غياب أجهزة الدولة أو تغييبها – كما يقول البعض- إذ إن الكثير من هذه المشاريع والقرارات تحتاج إلى موافقة الجهاز التشريعي الغائب لأكثر من سبع سنوات، يضاف إلى ذلك عدم وضوح الرؤية وغياب الخطة التي تقوم بإنزال هذه الرؤية إلى أرض الواقع. ورب ظان يرى أن الحديث في مثل هذه الأمور زمن الحروب يعد ترفاً وتشدقاً، إلا أن واقعنا الماثل وظروف الحرب التي نعيشها تجعل هذا الطرح أكثر إلحاحاً. فنحن في أمس الحاجة لرؤية وخطة تدير الموارد المحدودة بأعلى كفاءة ممكنة، إذ إن مقياس النجاح الحقيقي هو (القدرة على تحقيق الأهداف عبر استغلال الموارد المتاحة بأعلى كفاءة)، لأن إهدار أي جنيه يعني ضياع فرصة طلقة في معركة الميدان، أو طوبة في معركة إعادة البناء.
إن عدم وجود خطة تسير وفقها أعمال الحكومة يجعلها تتحرك مغمضة العينين تماماً كما في لعبة (الحجلة). كما أن عدم تمرير مثل هذه الاتفاقيات أو القرارات على الجهاز التشريعي، والالتفاف على الإجراءات القانونية المنظمة للتعاقد والشراء الحكومي، يغتال الشفافية ويزيد من فرص تسرب الفساد، فهذه الإجراءات بالإضافة للمراجع العام هي عيون الحكومة التي تمنع عنها العمى وتجعلها تمضي على هدى وبصيرة. وقد أشار الي ذلك عالم السياسة الشهير فوكوياما في كتابه (الاضمحلال السياسي) حيث يرى أن الدول التي تفقد البوصلة وتسير بعشوائية تُخترق مؤسساتها من قِبل جماعات المصالح والفساد، وقد سمى الدولة في هذه الحالة بــ(الدولة المنهوبة).
جزى الله خيراً الإعلاميين الذين تناولوا في الأيام الماضية موضوع (العسجد)، وبينوا أخطاءه الإجرائية، وبذلوا معلومات قيمة توضح خطورة ذلك على الأمن القومي. ما أجبر السلطات على التراجع عن الخطوة. الأكيد في الأمر أن المعلومات التي توفرت للصحفيين الذين أثاروا القضية، كان يمكن أن تتوفر لبنك السودان لو أنه اجتهد قليلاً، أو اتبع الإجراءات السليمة، إذ تقضي الأعراف بتشكيل لجنة مشتركة تضم الجهة صاحبة العطاء ووزارة المالية والجهات ذات الصلة (كالمخابرات في حالة العسجد)، فالموضوع ذو أبعاد ثلاثة (مالية وفنية وأمنية).
لكن السؤال الذي غفل عنه الناس وهم نجوى بموضوع العسجد هو كم يا ترى مثل هذه المواضيع مر دون أن يُلقي إليه أحد بالاً؟ وهنا يصدق المثل المشهور (الكل مجنون لكن شقي الحال يقع في القيد)، وأعتقد أن المثل من الوضوح بحيث لا يحتاج لكثير شرح.
ومن باب تصحيح النظر وجب القول: صحيح أن المسؤول الأول عن الأداء التنفيذي هو رئيس الوزراء، إلا أن ذلك لا يلغي أبداً مسؤولية مجلس السيادة عن أي إخفاق، فهو الذي يمثل رأس الدولة ورمز سيادتها، وأي محاولة للتملص من هذه المسؤولية هي محاولة مردودة. لذا وتوفيراً للشفافية في الأعمال الحكومية، يتعين على مجلس السيادة إكمال السلطات عبر تكوين البرلمان، ومؤسسات القضاء، وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية، وإتاحة الوصول لتقارير المراجع العام، مع عدم إعفاء المسؤولين عن الأخطاء من المحاسبة، وليكن ذلك ابتداء من ملف العسجد، ففي ذلك ما يعيد الثقة للمواطن ويشعره بجدية الدولة في محاربة الفساد ومراعاة مصلحة الوطن والمواطن. كما يجب أن يكون معيار الاختيار للمواقع الحكومية هو الكفاءة، دون أي تحيزات حزبية أو مناطقية. ففي ذلك ما يرفع من جودة الأداء الحكومي.
إن الاستمرار في إدارة الدولة بعقلية (المحاولة والخطأ) في ظل الحرب المفروضة على بلادنا هو مقامرة بمصير الوطن. لقد آن الأوان لحكومتنا أن تسترد بصيرتها عبر تفعيل مؤسسات الرقابة والمحاسبة، فالعبور بالبلاد إلى بر الأمان يقتضي مسار استراتيجي واضح، يعلي من قيمة المؤسسية والشفافية، حتى لا نجد أنفسنا لا قدر الله في وضع (العمى) الكامل حيث لا ينفع حينها الندم.





