رأي

حسين خوجلي…. ابتهالات الشفاء وبشارة البصيرة للسودان

بقلم : د. الهيثم الكندي يوسف

​سارت الأسافير ووسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بخبر عودة البصر للأستاذ حسين خوجلي، ورغم أن الخبر لم يتأكد بعد إلا أن تلك الموجة العارمة من الفرح والاحتفاء كشفت عن مكانة هذا الرجل في قلوب السودانيين وعن حاجة هذا الوطن المبتلي بنيران الحرب إلى شعلة تضيء هذه العتمة.

​إننا إذ نبتهل إلى الله أن يجعل من تلك الشائعة حقيقة قريبة وأن يمن على أستاذنا بتمام الصحة وعودة النور لعينيه فإننا ندرك أن فرحة عودة البصر لحسين خوجلي لا تخصه وحده، بل هي بشرى لوطن أصابه (العمى السياسي) فأضحى بحاجة إلى بصيرة وحكمة جيل العمالقة ليرى طريق الخروج من هذا النفق.

​حسين خوجلي ليس مجرد صحفي أو إعلامي بل يعتبر مؤسسة توثيقية كاملة فمن خلال صحفه (ألوان والحياة والناس) وبرنامجه التلفزيوني الشهير (أيام لها إيقاع) ساهم في صياغة الوجدان السوداني الحديث. لقد نفض غبار النسيان عن غناء الحقيبة جاعلا منها مدرسة متفردة تربط الأجيال بجذورها.

​من خلال صالوناته الثقافية استطاع خوجلي أن يجمع بين الثقافة العالية والوجدان الشعبي فكان يحلل قصائد سيد عبد العزيز ومصطفى بطران بذات العمق الذي يشرح به معلقات المتنبي و قصائد الشريف الرضي مما خلق ثراء معرفياً قل نظيره في المثقفين السودانيين المعاصرين.

​يبرز دور حسين خوجلي الاستثنائي في قدرته على تذويب الجمود الفكري. فبرغم خلفيته الإسلامية إلا أنه جانب التزمت الذي يرى في التدين اعتزالاً للحياة أو عداء للفنون بل كان يؤمن ويعمل على أن يكون الدين هو الحياة بكل تفاصيلها وجمالها. نجح خوجلي في كسر الحاجز النفسي بين التدين والاستمتاع بالحمال مبرهناً أن قيم الحق والخير والجمال هي جوهر الايمان. انفتح أستاذنا علي الحميع يساريين ويمينيين فقد كان مرماه الابداع حيث كان مؤمنا بأن السودان هو الماعون الأكبر الذي يسعنا جميعاً وبأن الفن هو الجسر الذي تذوب عبره الفوارق.

​بلادنا اليوم وهي تلملم جراحها من آثار الحرب أكثر حوجة من أي وقت مضى إلى جيل العمالقة الذين يمثلهم حسين خوجلي. هؤلاء الذين يملكون القدرة على إعلاء قيم الحب في مواجهة الكراهية وبث ثقافة السلام في مواجهة خطابات الاحتراب.
​المأمول ان يكون للأستاذ حسين في قادم الأيام بجانب عمله الصحفي دوراً وطنيا في ترميم الوجدان السوداني الذي نكبته الحرب. وعلى الدولة وهي تخطط لمرحلة ما بعد الحرب أن تستثمر في هذه القامات فمقدرة خوجلي في صياغة خطاب جامع وقبوله لدى مختلف الأطياف وبراعته في تحويل المعرفة إلي أداة للتغيير تجعل منه أحد ركائز معركة بناء السلام التي هي أصعب وأهم من معارك السلاح.

نسأل الله أن يمتع الأستاذ حسين خوجلي بنعمة البصر ليعود ويمارس دوره الذي طالما برع فيه (إشعال قناديل الضوء في غياهب الظلام). وأبقى طيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى