تقارير

بورتسودان تختتم أعمال “RC-Net” بتكريم “عباس جوليت” ورموز العمل الإنساني.. وإشادات دولية بصمود الهلال الأحمر السوداني في وجه الحرب

​بورتسودان :محمد مصطفى

​في تظاهرة إنسانية وإقليمية حاشدة ضجت بأجواء الوفاء والعرفان، اختتمت بمدينة بورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، أعمال اجتماع الجمعية العمومية لشبكة جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بشرق أفريقيا والمحيط الهندي (RC-Net)، والتي استمرت على مدار ثلاثة أيام (من 14 إلى 16 يوليو 2026) بفندق “مارينا”، تحت رعاية والي ولاية البحر الأحمر، وبتشريف ممثل رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة الاتحادية، وبتنظيم من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC).
​وجاء الختام اليوم بفندق صالة الربوة متوجاً بلمسة وفاء سودانية خالصة، حيث نظمت جمعية الهلال الأحمر السوداني حفل تكريم رفيع المستوى لرمزين من أعمدة العمل الإنساني محلياً وقارياً: القيادي الدولي الكيني الدكتور عباس غوليت، ورجل الأعمال والبر والإحسان السوداني الشيخ عبد المنعم أبو ضريرة.

0​”منارة بددت العتمة”.. 50 عاماً من عطاء عباس غوليت

​عبّر رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني، الدكتور عبد الرحمن بلعيد، في كلمته الافتتاحية عن بالغ الفخر والاعتزاز بمسيرة المحتفى به الدولي “عباس جوليت”، واصفاً إياه بـ “منارة الضوء التي تبدد العتمة”، ومؤكداً أن هذا التكريم هو اعتراف مستحق لشخصية استثنائية وهبت حياتها لخدمة البشرية وتخفيف آلام الضعفاء في القارة وخارجها.
​وسلّط التقرير الختامي للفعالية الضوء على السجل الحافل بالإنجازات لـ “جوليت”، الذي شغل منصب الأمين العام لجمعية الصليب الأحمر الكيني لنحو 20 عاماً، قبل أن يتبوأ منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بجنيف، كأول شخصية إفريقية تتقلد هذا المنصب الرفيع. كما قاد برامج نوعية لتخريج وتمكين أكثر من 18 شخصية قيادية سودانية تشغل اليوم مواقع محورية في المنظمات الإنسانية الدولية.
​وفي لفتة كشفت عن حجم عطائه، أشار د. بلعيد إلى أن جوليت الذي يدير حالياً صرحاً طبياً ضخماً بسعة 2400 سرير في شرق إفريقيا، ونجح مؤخراً في جمع تبرعات بقيمة 3 ملايين دولار لصالحه، لم يتردد في تلبية دعوة الهلال الأحمر السوداني للحضور شخصياً إلى بورتسودان رغم مشاغل السفر والظروف الحالية.
​كلمة نارية لـ “غوليت”: أفريقيا يجب أن تقود نفسها.. والسودان غني ومقسم
​وفي كلمة اتسمت بالصراحة والقوة، دعا الدكتور عباس غوليت إلى صياغة مستقبل جديد للقارة الإفريقية يعتمد على سواعد أبنائها، قائلاً:
​”أفريقيا يجب أن تتغير، والتغيير يبدأ الآن وليس غداً. الشباب بحاجة إلى الحكمة والقيادة من المقدمة كأفارقة. يجب أن تكون ديمقراطيتنا إفريقية نابعة من خصوصيتنا وليست ديمقراطية غربية تنهار اليوم، وهو ما نراه بوضوح في مواقف الظلم الممتدة عالمياً.”

0​وأضاف غوليت موجهاً حديثه للسودانيين:

​”أي مكان في أفريقيا يشتعل بالنزاعات هو في الأصل بلد غني جداً، والسودان بلد غني للغاية، لكن قوى خارجية هي من عملت على تقسيم شعبه. أدعو الهلال الأحمر السوداني إلى تبني أقصى درجات الشفافية والمساءلة والنزاهة لفتح الباب أمام آلاف الأثرياء ورجال الأعمال السودانيين لدعم جمعيتهم الوطنية بالداخل؛ فالإعانات الشحيحة القادمة من الشمال الدولي لن تطور مجتمعاتنا ولم تكن كافية يوماً.”
​ووجه غوليت نصيحة عملية بالاستثمار في الطاقة البديلة لمعالجة أزمات البنية التحتية: “السودان يتمتع بـ 13 ساعة من السطوع الشمسي يومياً، والطاقة الشمسية هي الحل الحقيقي لمشاكل الطاقة هنا.”

0​واختتم كلمته برسالة أمل طغى عليها التأثر:

​”أنا واثق تماماً أن هذه الحرب ستنتهي قريباً، وسيعود السودان إلى سابق عهده ويبدأ مرحلة إعادة الإعمار.. عاش السودان طويلاً، وحفظ الله أفريقيا وشبكة RC-Net.”
​شهادة صمود: الهلال الأحمر السوداني يعمل في 18 ولاية رغم الحرب
​من جانبه، استعرض الأمين العام للهلال الأحمر السوداني، الأستاذ أحمد الطيب سيد المنعم، ومعه عدد من قيادات الجمعية، ملحمة الصمود الشاقة التي خاضتها الجمعية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
​وأوضح المتحدثون أن الهلال الأحمر السوداني واصل العمل وتقديم الخدمات في 18 ولاية بلا توقف ليوم واحد، في الوقت الذي سحبت فيه جل المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة طواقمها من الميدان. وقد دفع الهلال الأحمر السوداني ثمناً باهظاً لهذا الصمود بفقده لعدد من خيرة موظفيه ومتطوعيه الذين ارتقوا شهداء إنسانية في الخرطوم وعدة ولايات، فضلاً عن تعرض مقار الجمعية وممتلكاتها لنهب وتدمير واسع.
​وعلى الرغم من جراح الحرب، رسم متطوعو الهلال الأحمر لوحة فرح وأمل عكست “نقاء سريرة الشعب السوداني”، بعدما شاركوا ضيوفهم الأفارقة الرقصات والأهازيج الشعبية بابتسامة لم تطفئها الحرب، مما حظي بإعجاب واسع من وفود الدول المشاركة التي رأت في هذا التلاحم تجسيداً لوحدة الشعوب الإفريقية وقدرتها على البناء الذاتي.

0​أبو ضريرة.. نموذج للوفاء والوطنية الحقة

​إلى جانب تكريم القيادي الكيني، احتفى المحفل برجل الأعمال والخير السوداني الشيخ عبد المنعم أبو ضريرة (رئيس اللجنة التسييرية لجمعية الهلال الأحمر بولاية الجزيرة)، الذي وُصف بـ “رجل المهام الصعبة” و”نموذج الوفاء الذي يبذل في السر والعلن”.
​وجاء تكريم أبو ضريرة تقديراً لمواقفه الوطنية البارزة ودعمه المالي السخي للجمعية بمبلغ 250 ألف دولار، بجانب فتحه كافة إمكانياته لتوفير المأوى والإغاثة لآلاف النازحين في ولاية الجزيرة وما جاورها، وتعبيد الطريق مسبقاً أمام الفرق الميدانية للوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.
​كما نوه المتحدثون بالدور التنموي الرائد للشيخ أبو ضريرة بإنشائه أول مصنع متطور للألوان والبطاريات بضمان 15 عاماً في الولاية بالشراكة مع خبرات صينية، كدعم مباشر ومستدام للمؤسسات الوطنية والطلاب والمرضى.
​كما شهد حفل الختام تكريم الممثلة الإقليمية للاتحاد الدولي لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر لدى إثيوبيا والاتحاد الإفريقي، تقديراً لدورها كنموذج ملهم للمرأة القيادية في مواطن التضحية وصناعة الأثر الإنساني في القارة السمراء.
​انفض سامر اجتماع “RC-Net” بورتسودان 2026، تاركاً خلفه رسالة قوية للعالم: أن العمل الإنساني في السودان عصي على الانكسار، وأن قيم الوفاء والعطاء تظل ركيزة البقاء حتى في أحلك الظروف.

زر الذهاب إلى الأعلى