الجنيد… شيخ المصانع الذي ينتظر أن يعود ملكًا للإنتاج

بقلم : مالك عباس البدوي
هناك أسماء لا تُذكر إلا ويستيقظ معها التاريخ… والجنيد واحدٌ منها.
والجنيد ليس مجرد مصنعٍ للسكر، ولا مجرد آلاف الأفدنة المزروعة بقصب السكر، بل هو قصة وطن، ومدرسة في الزراعة والصناعة، وأحد أعمدة الاقتصاد السوداني التي أسهمت لعقود في دعم الإنتاج الوطني، ووفرت سبل العيش لآلاف الأسر، وربطت الإنسان بأرضه، حتى استحق عن جدارة لقب “شيخ المصانع السودانية”.
كان الجنيد يومًا مصنعًا يضج بالحياة، وحقولًا لا تهدأ، ومصدر رزقٍ لآلاف الأسر، ورافدًا أساسيًا للخزانة العامة، واسمًا ارتبط بالإنتاج والانضباط والعطاء. ولذلك فإن الحديث عن عودته ليس حديثًا عن مصنع، بل عن عودة جزءٍ أصيل من ذاكرة السودان الاقتصادية والاجتماعية.
ولذلك، لم يكن إعلان بداية زراعة 60 فدانًا مجرد خبر عابر، بل كان رسالة حياة بعد سنوات الحرب العجاف، ورسالة أمل إلى كل مزارع ظن أن الجنيد قد انطفأ نوره.
لقد أعاد هذا الإعلان البسمة إلى الوجوه، وأيقظ الأحلام التي كادت أن تموت، لأن الجميع يدرك أن هذه الستين فدانًا ليست إلا الخطوة الأولى في خطة طموحة للتوسع إلى 700 فدان، ثم إلى 8000 فدان، لتعود عجلات المصنع إلى الدوران، ويعود السكر السوداني منتجًا من أرض الجنيد كما كان.
إنها ليست أرقامًا فحسب، بل هي إعلان ميلاد جديد لمشروع ظل صامدًا رغم المحن، ورسالة بأن الإرادة أقوى من الحرب، وأن الأرض التي أنجبت الخير قادرة على أن تنبض بالحياة من جديد.
غير أن هذه الفرحة لن تكتمل إلا إذا اكتملت مقومات النجاح.
فأول هذه المقومات هو رد الحقوق إلى أهلها. فلا تزال أرباح موسم 2023 تمثل مطلبًا ينتظر كثير من المزارعين معالجته. ونأمل أن تجد هذه الحقوق طريقها إلى التسوية لدى وزارة المالية، وأن تتم مراجعتها بما تراه الجهات المختصة مناسبًا، وبما يراعي قيمتها ويعيد الثقة إلى نفوس المزارعين، الذين تحملوا سنوات الحرب والصبر.
كما نطرح مقترحًا للنظر فيه، يتمثل في صرف دعم عاجل قدره خمسة آلاف جنيه لكل مزارع، وثلاثة آلاف جنيه لكل عامل، حتى يتمكنوا من العودة إلى الحقول، ومواصلة الفلاحة، وشراء احتياجاتهم الأساسية، لأن من يزرع اليوم يحتاج إلى سندٍ يعينه على البداية.
ونرى كذلك أن المرحلة القادمة يجب أن تشهد تقنين العلاقة بين الشركة والمزارع عبر اتفاقية جديدة وعادلة، تحدد الحقوق والواجبات، وتضمن الشفافية، وتؤسس لشراكة حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الاجتهادات أو التفسيرات المختلفة. فالجنيد لن ينهض إلا إذا شعر المزارع بأنه شريك كامل في النجاح، وليس مجرد منفذ للعمل.
كما أن نجاح هذه الخطة يستوجب أن تكون إعادة تأهيل وإحلال طلمبات الري في مقدمة الأولويات، لأن الماء هو روح المشروع، ولا يمكن الحديث عن ثمانية آلاف فدان، أو عن تشغيل المصنع بكامل طاقته، ما لم تكن منظومة الري قادرة على مواكبة هذا الطموح.
ومن المؤسف، بحسب ما يراه كثير من المزارعين، أن الخلافات والانقسامات بين من يمثلونهم أضعفت موقفهم، حتى أصبح صوت المزارع مشتتًا، وأصبحت بعض دور الجمعيات مغلقة منذ سنوات، في وقتٍ يحتاج فيه المشروع إلى مؤسسة قوية وفاعلة تدافع عن حقوق المزارعين وتوحد كلمتهم.
ولهذا، فإنني أجدد مناشدتي إلى دولة رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، للنظر في أوضاع الجمعية الزراعية واتخاذ ما يراه مناسبًا وفق القانون، بما ينسجم مع مسار إصلاح مؤسسات العمل الزراعي في السودان، ويضمن وجود جسم منتخب وفاعل يعبر بحق عن المزارعين ويقودهم نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والشراكة.
إن الجنيد اليوم لا يحتاج إلى صراع، بل يحتاج إلى جمع الصف، وإلى أن تتوحد القلوب قبل الجهود، لأن المشروع أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من أي خلافات.
كما أن مستقبل الجنيد يجب ألا يقف عند حدود إعادة تشغيل المصنع، بل ينبغي أن ينطلق نحو شراكات وطنية وعالمية مع بيوت الخبرة والمستثمرين، لجذب التقانات الحديثة، وتأهيل المصنع، وتطوير الزراعة، وتعظيم القيمة المضافة، حتى يعود الجنيد مركزًا إقليميًا لصناعة السكر، كما كان أحد أعمدة الاقتصاد السوداني.
وأتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من ساهم في هذه البداية، ولكل من آمن بأن الجنيد يستحق الحياة، ولكل من يعمل بصمت وإخلاص من أجل إعادة المشروع إلى مكانته، ولكل من يسعى إلى جمع الصف، وإصلاح ذات البين، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
إن زراعة الستين فدانًا ليست نهاية الحلم، بل هي أول سطر في قصة العودة. وإذا اكتملت حلقات النجاح برد الحقوق، وتأهيل طلمبات الري، وتقنين الشراكة، وتوحيد كلمة المزارعين، فإن السبعمائة فدان ستصبح واقعًا، والثمانية آلاف فدان ستكون بوابة لعودة المصنع والإنتاج، وسيعود الجنيد كما عرفه السودان دائمًا: شيخ المصانع، وقلب الجزيرة النابض، وأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، ومنارةً للإنتاج والعطاء.
اللهم بارك في أرض الجنيد، وبارك في مزارعيه وعماله، وألّف بين القلوب، ووفق كل من يعمل لنهضته، واحفظ السودان وأهله، وانصر قواتنا المسلحة، واشفِ الجرحى، وارحم الشهداء، وأعِد الأمن والاستقرار إلى ربوع الوطن.






