Uncategorized

عائدات التعدين بين التطلع والتطبيق.. جنوب كردفان تستلهم تجربة نهر النيل

نهر النيل : محمد السني:

​تكتسب زيارة وفد قيادات المسؤولية المجتمعية والإدارة الأهلية للمنطقة الشرقية ـ جنوب كردفان التي انطلقت من الولاية إلى ولاية نهر النيل أهمية استثنائية في هذا التوقيت العصيب من تاريخ البلاد؛ إذ لم تكن الزيارة مجرد جولة بروتوكولية، بل مثلت محطة مفصلية أجابت بشكل عملي ومباشر على تساؤلات واستفسارات كثيرة كانت تدور في أذهان أعضاء الوفد حول كيفية إدارة عوائد التعدين وتحقيق التنمية المستدامة، ممهدة الطريق نحو بناء نموذج اقتصادي وتنموي قائم على استغلال الموارد الوطنية لإعادة الإعمار.
وجاءت هذه الزيارة برعاية وإشراف كاملين من الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة لضمان نقل التجربة وتوطينها بأسس علمية وتنظيمية متينة.
لقد أظهرت المشاهدات الميدانية واللقاءات الاستعراضية في بربر وأبوحمد، إلى جانب الوقوف على تجربة وحدة العبيدية الفاروق الإدارية والاستفادة من نموذجها الرائد، والتفاهمات المبرمة في الحفل الختامي برعاية وحضور والي نهر النيل الدكتور محمد البدوي عبد الماجد وممثلي الشركة، أن مسار النهوض بقطاع التعدين في جنوب كردفان يتطلب الانتقال المباشر من خانة الإجابة على التساؤلات والانبهار بالتجربة إلى مربع التطبيق العملي للدروس المستفادة.
​إن أولى الخطوات العملية التي ينبغي على حكومة جنوب كردفان اتخاذها فوراً تبدأ بالتطبيق الصارم والمحكم للقرار الاتحادي رقم (90) والقرارات الولائية المكملة له، باعتباره المظلة القانونية والتنفيذية التي تضمن تحويل نصيب المجتمعات المحلية من عوائد التعدين إلى مجاريها الرسمية .
يتطلب هذا الأمر تشكيل لجان ولائية ومحلية متخصصة للمسؤولية المجتمعية، تعمل وفق دورة مستندية ومالية شفافة بالتعاون الإيجابي والتنسيق المستمر مع الشركة السودانية للموارد المعدنية، مما يعيد الحقوق لأصحابها ويضمن تخصيص الموارد بشكل متوازن يستهدف مباشرة القضايا الملحة في مجالات المياه، الصحة، والتعليم، وغيرها حسب حاجة المجتمع.
​وعلى صعيد السيطرة الفنية والبيئية، يقع على عاتق السلطات الحكومية بالولاية وضع ضوابط حازمة لإدارة ملف التعدين، بجانب التوسع في تنظيم المعدنين التقليديين في جمعيات ورعايتهم علمياً وتطوير طرق التعامل مع المخلفات، فضلاً عن تحديد الأبعاد الآمنة للنشاط التعديني بعيداً عن مصادر المياه والمراعي والمواقع السكنية لحماية البيئة والإنسان.
كما يمكن للولاية اقتباس تجربة التسهيلات الاستثمارية الشاملة، وتوفير بيئة جاذبة للمستثمرين والشركات الكبرى، مع الاستفادة الكاملة من اتفاقية التوأمة مع نهر النيل لنقل الخبرات الإدارية وتطوير آليات العمل بسرعة وكفاءة.
​أما المجتمع المحلي والإدارات الأهلية بجنوب كردفان، فيقع على عاتقهم الدور الأكبر في تهيئة البيئة الميدانية لإنجاح هذا التحول، إذ يجب أن تتحول الإدارة الأهلية إلى شريك أساسي وحارس وراعي للاستقرار الأمني والاجتماعي في مناطق الإنتاج.
إن بناء الشراكة المتينة ينبع من وعي المواطنين بأهمية الالتزام بآليات الحوار الشفاف مع الحكومة والشركات العاملة.
ومثلما أكدت تجربة العبيدية الفاروق وأبوحمد أن الرضا المجتمعي والوعي التكاملي يمثلان الضمانة الأساسية لاستدامة التعدين وتحويل عائداته لعمران حقيقي، فإن على مجتمعات جنوب كردفان التلاحم التام مع أجهزة الدولة والشركة السودانية للموارد المعدنية والمشاركة الفاعلة في ترتيب الأولويات الخدمية، ليصبح قطاع التعدين ركيزة حقيقية للتعافي والصمود، وبوابة واسعة نحو النهضة والتنمية المستدامة بولاية جنوب كردفان.

15 أغسطس 2026

زر الذهاب إلى الأعلى