رأي

الجنيد.. حين يصبح الماء قضية مزارع ودولة

بقلم : مالك عباس

بسم الله الرحمن الرحيم

0إلى الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان
السلام عليكم ورحمه الله وتعالي وبركاتو

في الجنيد، لا تبدو الأزمة في ظاهرها أكثر من مشروع زراعي تعطلت فيه الطلمبات وتأخرت فيه الزراعة. لكن خلف هذا المشهد البسيط تختبئ أزمة أكبر: آلاف المزارعين فقدوا مصدر دخلهم، وأرض واسعة بقيت خارج الإنتاج، ومؤسسات يفترض أن تدير شؤون المزارعين ما زالت عاجزة عن تقديم الحل.

ثلاث سنوات مرّت على المزارعين في انتظار عودة المشروع إلى العمل. وخلال هذه الفترة لم يتوقف الخسار عند الأرض؛ فقد امتد إلى البيوت التي تعتمد على الزراعة، وإلى أسر أصبح دخلها مرتبطاً بموسم لا يأتي.

ومع ذلك، حاول المزارعون كسر دائرة الانتظار. تمكنوا من الزراعة باستخدام طلمبة واحدة، في محاولة تؤكد أن المشكلة ليست في رغبتهم في العمل، وإنما في البنية التي يفترض أن تساعدهم على الإنتاج.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية: منظومة الطلمبات الحالية يعود تاريخها إلى 1987. وبعد ما يقارب أربعة عقود، لم يعد السؤال عن إصلاح عطل هنا أو هناك، وإنما عن مدى جدوى الاستمرار في الاعتماد على منظومة تحتاج إلى إحلال وتجديد شامل.

فالمشروع لا يمكن أن يستعيد عافيته بالحلول المؤقتة. والمزارع لا يستطيع أن يبني موسمه على احتمال توقف الطلمبة في أي لحظة.

في المقابل، تبدو عودة دورة السكر بعيدة في الظروف الراهنة، وهو ما يضع المزارعين أمام ضرورة استغلال الأرض في المحاصيل الممكنة خلال هذه المرحلة، بدلاً من تركها معطلة إلى أجل غير معلوم.
المعادلة واضحة: مزارع يريد أن يعمل، وأرض قابلة للإنتاج، لكن الماء هو الحلقة المفقودة.
غير أن أزمة الجنيد لا تتوقف عند الري.
0جمعية بلا دور
من أكثر الملفات إثارة للتساؤل وضع جمعية مزارعي الجنيد، التي يفترض أن تكون الممثل التنظيمي للمزارعين.
الجمعية معطلة، ودارها مغلقة، والمزارعون يواجهون أزمة كبيرة من دون جسم فاعل يحمل قضيتهم بصورة مؤسسية.
كما أن غياب رئيس الجمعية عن المزارعين لسنوات، بالتزامن مع رئاسته لشركة جنديكو المرتبطة بمصالح المزارعين، يطرح أسئلة تتعلق بالوضع القانوني والإداري وتضارب المصالح المحتمل.
هذه ليست إدانة لأحد، وإنما قضية تحتاج إلى مراجعة قانونية معلنة وشفافة؛ لأن المزارع من حقه أن يعرف من يمثله، وكيف تُدار المؤسسات المرتبطة بمصالحه.
0زيارة المسجل.. والسؤال الذي لم يجد إجابة
في 26 سبتمبر 2026م زار السيد مسجل الجمعيات الجنيد، وهي زيارة كان المزارعون يأملون أن تنهي حالة الجمود التي صاحبت ملف الجمعية.
وبحسب إفادة المزارعين، تجاوز الحضور نسبة 50% بزيادة عضو واحد.
0وهنا يبرز سؤال إداري وقانوني بسيط:
ما الذي يمنع حسم وضع الجمعية إذا كان النصاب متحققاً؟
إن كان هناك مانع قانوني، ينبغي توضيحه. وإن كانت هناك إجراءات ناقصة، ينبغي تحديدها وإنهاؤها. أما بقاء الملف مفتوحاً من دون نتيجة واضحة، فإنه يترك المزارعين أمام حالة من عدم اليقين لا تخدم أحداً.
0 والسؤال الأوسع:
إلى متى سيظل ملف الجنيد بلا حسم، ولمصلحة من يستمر هذا الوضع؟
الإجابة لا تحتاج إلى خصومة سياسية أو شخصية؛ تحتاج إلى تطبيق القانون وإعلان النتيجة بوضوح.
0 المشكلة الآن أكبر من موسم زراعي
المزارع الذي خسر موسماً يمكنه أن يبدأ من جديد.
لكن حين تتكرر الخسارة لثلاث سنوات، يصبح الأمر أزمة معيشية.
وفي الجنيد، لم يعد الحديث عن إنتاج السكر وحده، بل عن قدرة آلاف الأسر على الاستمرار، وعن مستقبل أرض لا تزال قادرة على العطاء إذا توفرت لها المياه والإدارة السليمة.
المزارعون لا يطلبون إعانات بقدر ما يطلبون إزالة العوائق أمام الإنتاج.
لقد حاولوا بالفعل أن يزرعوا بطلمبة واحدة، في ظروف لم تكن تسمح بالكثير.
وهذه ربما أقوى رسالة يمكن أن تصل إلى صانع القرار: المزارع لا يطلب أن يُعاش عليه، بل يطلب أن يُمكَّن من أن يعيش من أرضه.
0 فخامة الرئيس.. القرار الآن أهم من الوعد
قضية الجنيد تحتاج إلى حسم عملي يبدأ من إعادة تأهيل منظومة الري وإحلال الطلمبات القديمة، ويمر بتمكين المزارعين من استغلال أراضيهم بالمحاصيل الممكنة، وينتهي بإغلاق ملف الجمعية وفق القانون، مع مراجعة واضحة لكل ما يتصل بإدارة مصالح المزارعين.
0 لقد طال الانتظار بما يكفي.
وفي بلد يحتاج إلى كل فدان منتج، ليس من المنطقي أن تبقى أرض قابلة للزراعة خارج الإنتاج، بينما يقف أصحابها عاجزين أمامها.
الجنيد لا يحتاج إلى وعد جديد؛ يحتاج إلى قرار يعيد الماء إلى الأرض، والمؤسسة إلى المزارع، والإنتاج إلى المشروع.
فخامة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان،
قد لا يسمع كثيرون صوت الأرض وهي عطشى، لكن المزارع يسمعه كل يوم.
وهو الآن لا يطلب أكثر من فرصة ليعود إلى عمله.
دعوا الجنيد يزرع.

عن مزارعي مشروع سكر الجنيد

زر الذهاب إلى الأعلى