رأي

البرهان في الشمالية .. رسائل الحرب والسلام

بقلم : علي يوسف تبيدي

في تقديري أن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي ، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ، إلى الولاية الشمالية حملت في مضامينها رسائل سياسية واقتصادية وعسكرية ، عكست تداخل معركة استعادة الاستقرار مع تحديات بناء الدولة وتخفيف أعباء المعيشة عن السودانيين.
فمن خلال مخاطبته الجماهير في عدد من المناطق ، أكد البرهان تمسكه بمواصلة القتال حتى سحق التمرد ، في خطاب يعكس أولوية الحسم العسكري لدى قيادة الدولة ، غير أن أهمية هذه الرسائل لا تنفصل عن سؤال أكبر يشغل السودانيين كيف يمكن أن تنتهي الحرب إلى سلام مستدام ، وتستعيد البلاد عافيتها ، وتعود الحياة إلى طبيعتها في المدن والقرى التي أنهكتها سنوات النزاع
لذا فاعتقد ان الحشود التي استقبلت رئيس مجلس السيادة ، وما تضمنته لقاءاته من حديث مباشر مع المواطنين ، تضع أمام القيادة مسؤولية الاستماع إلى تطلعات الناس، وعدم الاكتفاء بالشعارات العامة فالمواطن الذي يتطلع إلى الأمن والاستقرار ينتظر ، في الوقت نفسه، تحسناً ملموساً في الخدمات ، وتراجعاً في الأسعار ، وتوفيراً لاحتياجات الحياة الأساسية.
وعليه فإن قياس أثر الزيارة لا يرتبط فقط بما قيل في المنصات ، وإنما بما يمكن أن تفضي إليه من خطوات عملية تستجيب لهذه التطلعات.
وتبرز الولاية الشمالية في هذه الجولة بوصفها حاضنة للوافدين من مختلف أنحاء السودان ، خاصة دارفور والولايات الحدودية ، حيث فتحت أبوابها للمتأثرين بالحرب ، في تجسيد لقيم التكافل وإكرام الضيف المتجذرة في تاريخ أهلها وحضارتهم الراسخة.
وهو دور يستحق المساندة الحكومية عبر تعزيز الخدمات وتخفيف الأعباء عن المجتمعات المستضيفة.
وفي البعد الإقليمي ، حمل حديث البرهان الموجه إلى مصر رسائل تطمين بشأن العلاقات بين البلدين ، في ظل ما يحيط بالسودان من تعقيدات أمنية وسياسية فالعلاقة مع القاهرة ليست مجرد علاقة جوار جغرافي ، بل ترتبط بمصالح مشتركة ووشائج تاريخية واجتماعية
تجعل استقرار السودان عاملاً مهماً في استقرار محيطه الإقليمي.
وتبقى المحافظة على هذه العلاقة رهناً بالحوار والتنسيق واحترام المصالح المشتركة ، بما يعزز فرص التعاون ويحد من المخاوف التي تثيرها الحرب وتداعياتها.
لكن الرسائل السياسية ، مهما بلغت أهميتها ، لا تكتمل دون التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي أصبحت واحدة من أثقل الأعباء على المواطنين. وفي هذا السياق ، تكتسب القرارات الرامية إلى تخفيف الضغوط المعيشية أهميتها من توقيتها ، إذ جاءت متزامنة مع الزيارة ، لتفتح الباب أمام اختبار مدى قدرة السياسات الحكومية على الوصول إلى الأسواق والأسر والمنتجين.
فالأزمة الاقتصادية لا تُعالج بالقرارات وحدها ، وإنما بمدى تنفيذها وانعكاسها على حياة الناس ، ويظل المطلوب هو اتخاذ إجراءات فعالة تحد من ارتفاع الأسعار ، وتدعم القدرة الشرائية ، وتوفر السلع الضرورية ، إلى جانب معالجة الاختلالات التي أثرت في النشاط التجاري والإنتاجي فاستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تبدأ حين يشعر الناس بأن معاناتهم اليومية أصبحت في صدارة الأولويات.
وفي المقابل ، يبرز تشجيع الزراعة باعتباره أحد المداخل الأساسية للخروج من الأزمة.
فالسودان يمتلك أراضي واسعة وموارد مائية وإمكانات بشرية يمكن أن تجعل القطاع الزراعي ركيزة للتعافي الاقتصادي ، ومصدراً للغذاء وفرص العمل والنقد الأجنبي.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج حقيقي يتطلب توفير التمويل ومدخلات الإنتاج والوقود ، وتأمين الموسم الزراعي ، وتحسين وسائل الري والتخزين والنقل والتسويق ، إلى جانب حماية المنتجين من الخسائر التي قد تدفعهم إلى تقليص المساحات المزروعة.
إن تشجيع الزراعة ينبغي ألا يظل توجهاً معلناً ، بل يحتاج إلى برنامج واضح يربط الإنتاج باحتياجات السوق ، ويمنح المزارع حوافز حقيقيةر، ويعزز دور القطاع الخاص والتعاونيات في سلاسل الإنتاج والتوزيع.
فكل فدان يُزرع بكفاءة ، وكل محصول يصل إلى الأسواق بتكلفة مناسبة ، يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على المواطن وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كما أن زيارة البرهان لعدد من مناطق الولاية الشمالية تمثل فرصة للوقوف على احتياجات المجتمعات المحلية ، بما تتضمنه من قضايا الخدمات والتنمية والبنية التحتية.
فالولايات التي ظلت تؤدي أدواراً مهمة في استضافة المتأثرين بالحرب ودعم النشاط الاقتصادي تحتاج إلى اهتمام يتجاوز الزيارات الرسمية ، عبر خطط تنموية تستجيب لاحتياجات السكان وتوازن بين متطلبات الطوارئ ومشروعات التنمية طويلة الأجل.
وتبقى الرسالة الأهم في هذه الجولة أن السودان يقف أمام معركتين متلازمتين: معركة إنهاء الحرب واستعادة الأمن ، ومعركة إنقاذ الاقتصاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولا يمكن أن تحقق إحداهما أهدافها بمعزل عن الأخرى ، فالأمن يهيئ البيئة للإنتاج ، والاقتصاد المتعافي يعزز قدرة الدولة على توفير الخدمات وترسيخ الاستقرار ،
إن مخاطبة الجماهير تكتسب قيمتها الحقيقية حين تتحول إلى التزامات قابلة للقياس ، وقرارات يشعر المواطن بنتائجها ، وسياسات تمنح الشباب والمنتجين والمزارعين أملاً في المستقبل ،
فالسودان لا يحتاج إلى تجاوز آثار الحرب فحسب ، بل إلى تأسيس مرحلة جديدة تجعل السلام والإنتاج والعدالة في توزيع الخدمات ركائز لإعادة البناء وعندها فقط ، تصبح الزيارات الميدانية أكثر من مناسبات جماهيرية ، وتتحول إلى محطات حقيقية في طريق استعادة الدولة ونهضة الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى