رأي

د. محمد تبيدي يكتب : مسارب الضي…هل أخطأ البرهان باختيار رئيس مجلس الوزراء؟

رأي : خطوة برس

في خطوةٍ أذهلت الجميع، كلف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي الانتقالي وقائد القوات المسلحة، الدكتور كامل إدريس عبدالماجد، تلك الشخصية التي طالها الجدلُ ولفّتها فضائح التزوير وسوء إدارة الأموال، برئاسة مجلس الوزراء. فهل أخطأ البرهان إذ أعاد طرحَ اسمه مجدّداً؟

لقد عُرِفَ د. كامل إدريس بأنه من مواليد عام 1945، غير أنه غيّر تاريخ ميلاده إلى 1954 لكسب امتيازات مالية وتقليل مدة خدمته، فاقتضى الأمر تلاعباً بالأوراق وثائقاً زُوِّرت بحنَكَةٍ لا تليق بمسؤولٍ دوليٍّ بحجم رئيس الوكالة العالمية للملكية الفكرية (1997–2009).

وفي عام 2004، فضحت صحيفتا «International Herald Tribune» و«أسوشيتد برس» هذا التمزُّق بين الحقيقة والوهم، حين أكدتا أن الوثائق المزوّرة سمحت له بالتمسّك بالمنصب حتى السنوات الأخيرة، متجاوزاً شروط التقاعد ومتربّعاً على عرش المكافآت التقاعدية. ولم يقتصر الأمر على العمر، بل تعدّاه إلى الشهادات؛ فقد ارتكز إدّعاؤه بحصوله على ماجستير في القانون الدولي من جامعة أوهايو عام 1978 على وثائقٍ زائفة، في حين صرّحت الجامعة بأن درجته كانت في الآداب بعد عامٍ دراسي واحد (سبتمبر 1977–يونيو 1978).

ومع تتابع الاتهامات بتحويل أموال المنظمة لتمويل مرافق خاصة في مقر الإدارة (من مسبحٍ فاخر إلى رُشاوىٍ للموظفين بمرتبات إضافية)، طالبت دولٌ غربيةٌ بوقف دعمٍ نصف سنوي قدره 537 مليون دولار، ممّا أدّى إلى شلّ موارد الوكالة المالية وتعليق جزءٍ كبيرٍ من المساعدات في العامين 2008–2009، فباتت سُمعتها، كما قال مراقبون، هدفاً سهلاً للرصاص.

وبعد استقالته القسرية في 2009، وصف السفير الأمريكي في جنيف تلك الخطوة بأنها ضرورة لاستعادة ثقة الدول الأعضاء، لكن ماذا عن ثقة الشعب السوداني اليوم؟

إن عودة د. إدريس إلى الساحة السياسية برئاسةٍ للوزراء لا تثير فضول الصحفيين فحسب، بل تُشعل حواراً وطنياً حول موازنة التاريخ وبين الكفاءة. فهل ستكون المعايير الدقيقة، التي وعد بها البرهان بخلفيةٍ وطنيةٍ ناصعةٍ بلا شائبة، أعمى من سُمعةٍ لطالما كُسِرَت فيها الأقلامُ ونُكِّسَت فيها الرايات؟ أم أن أيادي خفيةً، تأبى أن يفلت من شباكها الرجالُ أصحابُ العُيون الحاسمة، هي التي راقبت بعينين سريّتين هذا اللقاء المشؤوم بين الماضي والحاضر؟

وفي هذا الامتحان، يظل السؤال: هل سينقشع ضباب الماضي لتشرق شمس الإصلاح، أم أن التاريخ سيعاود الدوران في حلقةٍ مفرغةٍ لا مخرج منها سوى عبر عقلٍ حكيمٍ وقلبٍ منصفٍ يوازن بين الكفاءة الإدارية والسمعة الأخلاقية لرئيس الوزراء ؟

وانا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

زر الذهاب إلى الأعلى