محمد بابكر يكتب : من البندقية إلى الدولة .. هل تنجح الكتلة الديمقراطية في إعادة تعريف السياسة في السودان؟

رأي : خطوة برس
توقيع (الحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية) على نظامها الأساسي يعتبر خطوة تنظيمية يمكن قراءتها كإعلان نوايا لإعادة تعريف وظيفة السياسة في السودان.
في وقت تتقاطع فيه أزمات الشرعية مع تحديات الأمن والانهيار المؤسسي تسعى الكتلة إلى الانتقال من حالة التكتل الدفاعي إلى مشروع سياسي أكثر تماسكا عنوانه تحويل السياسة من ساحة صراع إلى أداة لبناء الدولة.
هذا التحول يستند إلى إدراك متزايد بأن الأزمة السودانية لم تعد صراعا على السلطة بقدر ما هي أزمة نموذج حكم.
لذلك يكتسب النظام الأساسي أهميته ليس من نصوصه فقط بل من كونه محاولة لفرض انضباط مؤسسي داخل كيان متنوع تمهيدا لإعادة ترتيب المجال السياسي على أسس أكثر فاعلية.
في هذا السياق يعكس خطاب عضو مجلس السيادة صلاح رصاص بعدا سياديا واضحا من خلال الربط بين تماسك الجبهة الداخلية ودعم القوات المسلحة باعتبارها ركيزة للاستقرار.
غير أن الأهم في طرحه هو التأكيد على انفتاح الكتلة كمنصة سياسية جامعة تسعى لتوسيع قاعدتها عبر وثيقة دستورية تستوعب مختلف القوى بدلا من إعادة إنتاج الاصطفافات الضيقة.
على الجانب الآخر قدّم جعفر الميرغني رؤية أقرب إلى (مشروع دولة) منها إلى خطاب سياسي تقليدي.
فقد انتقل من منطق الشعارات إلى منطق الأداء مركزا على بناء دولة القانون ومؤسسات فاعلة وخدمات أساسية تحفظ كرامة المواطن.
هذا التحول يعكس فهما متقدما لطبيعة الشرعية في المرحلة المقبلة باعتبارها مرتبطة بقدرة الدولة على إدارة حياة الناس اليومية بكفاءة.
وتبرز نقطة التحول المركزية في هذا الخطاب في كسر ثنائية (السلاح مقابل السياسة) عبر الدعوة الصريحة إلى أن (تتحدث السياسة وتصمت البندقية). هذه الدعوة تعكس مراجعة ضمنية لتجربة طويلة من الاحتراب وتوجها لإعادة تأسيس الشرعية على الإرادة الشعبية من خلال الانتخابات لا على موازين القوة.
غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع معقد وهو ما أشار إليه نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار في قراءته النقدية للمشهد الحزبي حيث لا يعكس التضخم العددي للأحزاب حيوية سياسية حقيقية بقدر ما يكشف عن تفتت القاعدة الاجتماعية وغياب البرامج الجامعة.
ومع ذلك فإن التنوع داخل الكتلة الديمقراطية قد يتحول إلى مصدر قوة إذا أُحسن استثماره ضمن رؤية مشتركة.
من هنا ينتقل النقاش من مستوى الخطاب إلى مستوى الشروط العملية. فالدعوة إلى الانتخابات تظل مشروطة بتهيئة بيئة سياسية وأمنية ملائمة تبدأ بوقف الحرب وتمر بإعادة بناء الثقة ولا تنتهي إلا بضمان حد أدنى من الاستقرار المؤسسي.
كما أن الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة يتطلب معالجة معقدة لملف الترتيبات الأمنية واحتكار العنف المشروع وهو تحد لا يُحسم بالتصريحات بل بتوافقات تدريجية.
في البعد الاجتماعي
هذا الطرح يكتسب أهميته من اقترابه من قضايا المواطن اليومية حيث لم تعد الديمقراطية مفهوما مجردا بل معيارا يُقاس بمدى قدرتها على تحسين شروط الحياة في مجالات التعليم والصحة والخدمات.
هذا التحول يمثل مدخلا ضروريا لردم فجوة الثقة بين الشارع والنخب السياسية.
أما على المستوى الخارجي فتعكس رسائل الكتلة محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع المجتمع الدولي على أساس السيادة والشراكة المتوازنة مع التأكيد أن أي دعم خارجي لن يكون ذا جدوى دون جبهة داخلية متماسكة. هذه التحركات تعكس انتقالات على مستوى الخطاب على الأقل من إدارة الأزمة إلى التفكير في ما بعدها.
غير أن التحدي الحقيقي يظل في القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة سياسية يومية قائمة على إدارة الاختلاف وتوسيع المشاركة والالتزام الفعلي بخيار الديمقراطية.
السودان اليوم أمام مفترق طرق إما الاستمرار في دورة الصراع التي تستنزف الدولة والمجتمع أو الشروع في مسار صعب نحو بناء نظام سياسي قائم على المواطنة وسيادة القانون. وبين هذين الخيارين لا يكفي إنتاج خطاب جديد بل يتطلب الأمر إرادة سياسية تتحمل كلفة التحول.
عندها فقط يمكن أن يتحول شعار (من البندقية إلى الدولة) من وعد نظري إلى واقع يعيشه المواطن وتبدأ ملامح دولة تستمد شرعيتها من خدمة شعبها لا من صراع تنظيماتها.