إقتصادتقارير

​ناقوس الخطر يدق .. نقص الأسمدة يهدد بفشل الموسم الزراعي والأطفال في مهب المجاعة

​0 بالأرقام والإحصاءات: أزمة الأسمدة وإغلاق “هرمز” يهددان بمحو 40% من محاصيل السودان وملايين الأطفال في مهب المجاعة.

​0 شريان مفقود: زراعة السودان بين فكي حصار “هرمز” وبيروقراطية الداخل.. وناقوس خطر يهدد 19 مليون جائع.

0 سباق مع المطر: غياب الأسمدة يهدد بهلاك الموسم الزراعي في السودان.. والخبراء يحذرون: “النافذة تُغلق”.

الخرطوم :تقرير :محمد مصطفى

​تواجه البلاد نُذر كارثة زراعية وإنسانية غير مسبوقة، وسط تحذيرات شديدة اللهجة أطلقتها منظمات دولية ومراقبون من فشل الموسم الزراعي الحالي. يأتي هذا التهديد نتيجة لنقص حاد ومفاجئ في المدخلات الزراعية الأساسية، وعلى رأسها الأسمدة، في وقت تتشابك فيه التعقيدات اللوجستية الدولية مع العراقيل البيروقراطية الداخلية، مما يضع الأمن الغذائي للبلاد على المحك، ويهدد ملايين الأسر بـ “شبح مجاعة” حقيقية بدأت ملامحها تلوح في الأفق قبل أن تظهر الأرقام الرسمية في التقارير.

​0خيط الأزمة: من إغلاق “هرمز” إلى لقمة الطفل

​لم تعد الأزمة مجرد قصة شحن بحري عابرة؛ فالسلسلة المترابطة تبدأ من البحر وتنتهي بالجوع. ففي 28 فبراير 2026، أُغلق مضيق هرمز الحيوي — الذي يمر عبره طن واحد من كل ثلاثة أطنان من الأسمدة المشحونة بحراً في العالم — ولم يُفتح بشكل كامل بعد.
​هذا الحصار اللوجستي أصاب شريان الإمداد الزراعي السوداني في مقتل؛ إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف أسمدة السودان تأتي من الخليج العربي عبر هذا الطريق البحري المغلق. ونتيجة لهذا الإغلاق، باتت أسمدة البلاد العالقة تهدد المحاصيل الاستراتيجية التي تعتمد عليها مائدة المواطن كـ (القمح والذرة والدخن).
​جنون الأسعار وحصار المزارع
​فور إغلاق المضيق، استجاب السوق العالمي بفزع وكاد سعر السماد يتضاعف في غضون أسابيع قليلة؛ حيث قفز سعر الطن من 470 دولاراً في فبراير ليصل إلى ذروته عند 855 دولاراً في أبريل، قبل أن يتراجع نسبياً في مايو إلى 665 دولاراً مع تحرك بعض السفن مؤقتاً.
​أما محلياً، فالمزارع السوداني يقع اليوم بين فكي كماشة شرسة؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة في الأسواق المحلية بنسبة 67% مقارنة بالعام الماضي، بالتزامن مع ارتفاع كلفة الوقود اللازم لتشغيل المزارع إلى أكثر من الضعف، مما جعل الاستمرار في العملية الإنتاجية عبئاً تعجيزياً.

0​بيروقراطية الداخل تضاعف صدمة الخارج

​ولم تكن العوامل الخارجية وحدها هي السبب؛ إذ تسببت الإجراءات البيروقراطية والمعوقات الإدارية المعقدة داخل أروقة مؤسسات الدولة في وضع المزيد من العراقيل أمام عمليات الاستيراد وتأمين البدائل. وبينما ترقد الملفات على مكاتب الحكومات بانتظار القرارات، يمضي الوقت الحرج للموسم الزراعي دون معالجات حقيقية، مما يحرم المزارعين من الحصول على حصصهم في التوقيت المناسب لتهيئة التربة.

0التوقيت القاتل: الأرض جاهزة والحقول فارغة

​يؤكد خبراء الزراعة أن “التقويم الزراعي لا يجامل أحداً”، فالزراعة ليست مجرد اقتراح بل هي موعد نهائي صارم. محاصيل مثل الذرة والدخن يجب أن تُزرع مع أول الخريف، ولا بد أن يدخل السماد الأرض في لحظة دقيقة للغاية.
​والتأخير الذي يُقاس اليوم بالأسابيع سيورث ضرراً يُقاس بالسنين؛ إذ تُظهر الأبحاث الاقتصادية المحكمة (مثل دراسات جامعة ولاية ميشيغن) أن تأخر شحنة سماد واحدة في موسم زراعي تسبب في تبديد 21% من قيمة برنامج زراعي كامل، ما يعادل خسارة 21 مليون دولار من الغذاء المفقود بسبب عامل الوقت فقط.
​والشواهد الميدانية الحالية مرعبة؛ ففي أحد أكبر المشاريع الزراعية في البلاد، لم يتم زراعة سوى 500 فدان فقط من أصل 10,000 فدان كان ينبغي زراعتها حتى الآن، أي أن فداناً واحداً فقط من كل عشرين فداناً تم استغلاله، رُغم أن الأرض مهيأة والسواعد مستعدة، والسماد وحده هو الغائب.

​0تداعيات كارثية: انخفاض الإنتاج بنسبة 40%

​وفقاً لتخوفات محللي منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فإن استمرار غياب الأسمدة والاضطرار إلى البحث عن أسواق بديلة ومزدحمة سيتسبب في انخفاض إنتاج الغذاء في السودان بنسبة 40% أو أكثر.
​هذه النسبة المخيفة تعني عملياً محو نحو 2.7 مليون طن من الحبوب من إجمالي 6.7 مليون طن كان السودان يخطط لزراعتها، مما يترك البلاد مع 4 ملايين طن فقط للأكل، وهي فجوة غذائية هائلة تعني العجز التام عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
​الجوع يعيش في الديار.. والأطفال الضحية الأولى
​هذه الأزمة لا تهدد بمجاعة مستقبلية فحسب، بل تأتي والسودان يعيش وطأة الجوع بالفعل؛ حيث تشير إحصاءات (برنامج الغذاء العالمي واليونيسف والفاو) إلى أن 19.5 مليون إنسان (نحو واحد من كل ثلاثة أفراد في البلاد) يعانون من الجوع الآن. من بينهم 14 مليوناً على بعد خطوة واحدة من المجاعة، و 5 ملايين في حالة طوارئ الجوع، في حين دخل 135 ألف إنسان مرحلة المجاعة الفعلية.
​وفي هذه المعادلة الصعبة، يدفع الأطفال الثمن الأغلى؛ إذ تم تسجيل علاج 820,000 طفل من سوء التغذية الحاد خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام وحده — أي قبل أن يفشل المحصول الحالي — وهو رقم يشهد زيادة بنسبة 25% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ويحذر خبراء الصحة والإغاثة بصوت عالٍ: “إذا كانت هذه هي الأرقام والحقول ما تزال تنتظر، فماذا سيكون الحال إن خابت الحقول تماماً؟”.

​0التنافس العالمي: لا مكان للمترددين

​بينما تسود البيروقراطية والتردد داخلياً، يتحرك العالم سريعاً لتأمين حصصه؛ حيث لا يوجد فائض في المستودعات العالمية ينتظر أحداً، والمصانع القائمة تعمل بأقصى طاقتها (85% إلى 95%)، في حين يتطلب بناء مصنع سماد جديد فترة تصل إلى 5 سنوات.
​وفي هذه الأثناء، قامت دول أخرى بحجز إمداداتها؛ فال الهند وحدها طلبت 1.7 مليون طن لشحنها قبل منتصف الصيف، وأنفقت بنغلاديش 3 مليارات دولار لتأمين إمدادها، بينما وزعت كينيا 2 مليون كيس سماد على مزارعيها، في الوقت الذي أوقفت فيه الصين تصديرها تماماً. إن كل طن يحجزه هؤلاء اليوم، هو طن يُرفع من أمام السودان غداً.

​0المنعطف الأخير: نافذة التحرك ما زالت مفتوحة

​رغم قتامة المشهد، يجمع معدّو التقرير الدولي والخبراء على أن “المحصول لم يضع بعد، والزراعة ما زال يمكن إنقاذها”.
​اليوم، في 31 مايو 2026، تمثل هذه الفترة آخر نافذة في الموسم يمكن فيها تدارك الكارثة وتأمين إمدادات الأسمدة لتصل إلى الحقول قبل نزول الأمطار. إن غياب القرار الحاسم الآن سيحول الإمداد المتأخر مباشرة إلى “غذاء مفقود” وحصاد قاسٍ لا رادّ له.
​إن تدخل الجهات المسؤولة بشكل عاجل لتبسيط الإجراءات وتذليل عقبات الاستيراد، والقفز فوق الحواجز البيروقراطية، ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو صمام الأمان الوحيد والواجب الأخلاقي والإنساني لحفظ حياة الملايين وحماية أطفال السودان من منزلق المجاعة الشاملة.

زر الذهاب إلى الأعلى