رأي

رؤية وطنية ..(نكتب للوطن ونفكر للمستقبل) ..حين انتصر الوعي.. سقطت رهانات الفوضى(2)

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

بسم الله الرحمن الرحيم

ليست الحروب وحدها هي التي تُسقط الدول، بل قد تُسقطها أيضًا الفوضى حين تتسلل إلى العقول قبل أن تصل إلى الشوارع. فكم من أمةٍ امتلكت الجيوش والموارد، لكنها فقدت تماسكها الداخلي، فانهارت من داخلها قبل أن يهزمها عدوها.
لقد أدرك السودانيون، مع امتداد الأزمة، أن المعركة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا معركة وعي. فحين تتعرض الأوطان لاهتزازات كبرى، يصبح الحفاظ على النسيج الاجتماعي، وصون مؤسسات الدولة، ومنع الانقسام المجتمعي، جزءًا لا يتجزأ من معركة البقاء.
وفي خضم هذه الظروف القاسية، ظهرت صور مشرقة من التكافل والتضامن. فتحت الأسر أبوابها للنازحين، وتقاسم الناس ما توفر لهم من غذاء ودواء، وسارعت المبادرات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني إلى تقديم العون، مؤكدين أن المجتمع، حين يتماسك، يصبح سندًا للدولة في أوقات الشدة.
وفي المقابل، كشفت الأزمة أن نشر الشائعات وخطاب الكراهية والتحريض لا يقل خطرًا عن أي مواجهة على الأرض؛ إذ إن تمزيق الثقة بين أبناء الوطن يهدد المستقبل ويطيل أمد المعاناة. ومن هنا برزت أهمية الكلمة المسؤولة، والإعلام المهني، والخطاب الوطني الجامع الذي يقدّم مصلحة السودان على أي اعتبار آخر.
لقد أثبتت التجربة أن قوة السودان لا تنبع فقط من إمكاناته، وإنما من وعي أبنائه حين يدركون أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة وطنية، وأن التنوع الذي يميز السودان يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير بالحكمة والعدل.
إن الأمم لا تبنى بالانتصارات العسكرية وحدها، بل تُبنى كذلك بترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإشاعة ثقافة الحوار، وتوفير العدالة التي يشعر معها الجميع بأنهم شركاء في الوطن.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس على إعادة بناء الجسور والطرق والمباني فحسب، وإنما على إعادة بناء الإنسان، وترميم الثقة، وغرس قيم المواطنة، حتى يصبح السلام ثقافة راسخة لا مجرد اتفاق عابر.
لقد علمتنا التجربة أن الوطن الذي يتحد أبناؤه حول هدف سامٍ، ويقدّمون مصلحته على مصالحهم الضيقة، يصعب كسره مهما تعاظمت التحديات. فالوعي هو الحصن الأول، والوحدة هي السلاح الذي يحفظ الأوطان من الانزلاق إلى الفوضى.
وهكذا، لم يكن صمود السودان نتاج قوة السلاح وحدها، بل كان ثمرة تلاحم قطاعات واسعة من الشعب، وإيمانهم بأن مستقبل البلاد لا يُصنع إلا بوحدة الصف، والعمل المشترك، والإرادة الوطنية الصادقة.
وفي المقال الثالث نختم هذه الثلاثية بعنوان:
“ما بعد الحرب… كيف يُصنع السودان الجديد؟”
وسيكون خاتمة تمهد للانتقال إلى مشروع الكتاب، حيث ننتقل من قراءة الواقع إلى صياغة رؤية وطنية متكاملة لبناء السودان في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى