رأي

الهلالية منارات لاتنطفئ .. وما حدث فيها ليس حدثًا عابرًا، بل صفحة دامية في تاريخ الوطن

بقلم : مالك عباس

في الهلالية، لا الحديث عن أرقام، بل عن جراحٍ مفتوحة في جسد الوطن. أكثر من 2500 شهيد ارتقوا، وبيوتٌ أُغلقت إلى الأبد بعد أن فقدت كل من كان فيها. لم يعد في كثيرٍ من الديار من يرد الباب أو يرفع الصوت، لأن أصحابها صاروا عند الله، ولم تعد الأزقة كما كانت، لأن الحياة نفسها تبدلت تحت ثقل الفقد، وكأن المدينة بأكملها توقفت عند لحظة الحزن الكبير.

وفي ظل هذه الكارثة الإنسانية، يزداد الألم مع غياب الدور الاجتماعي الفاعل تجاه الأسر التي فقدت معيلها، وتُركت تواجه الحياة وحدها؛ أرامل، وأيتام، وكبار سن، وأسر منكوبة بلا سند كافٍ، وكأن المأساة انتهت في الخبر، بينما هي مستمرة في كل بيتٍ منكسر ، لكن وسط هذا الجرح العميق، بقيت في الهلالية منارات لا تنطفئ.

في مسيد الشيخ الطيب المرين، ذلك الصرح العريق الذي حمل على عاتقه رسالة القرآن والخلاوي لعقود طويلة، تخرجت أجيال من طلاب العلم وحفظة كتاب الله، انتشروا في السودان وخارجه، يحملون نور القرآن وأخلاقه، ويشهد التاريخ أن هذا المسيد لم يكن يومًا مجرد بناء، بل مدرسةً كاملة للحياة والروح.

وكانت فيه العصرية التي تُقام كل أسبوعين، حيث يجتمع الناس من قرى الجزيرة ومن مختلف الطرق، يمدحون سيدنا رسول الله ﷺ، ويذكرون الله بقلوبٍ خاشعة، وتُرفع فيه الأنفاس بالذكر، وتلين فيه القلوب، وتلتقي الأرواح على معنى الزهد والتذكير بالآخرة، في مشهدٍ يجمع بين البساطة والسمو الروحي.

وفي أحلك اللحظات، حين اشتدت المحنة، وقف الشيخ البدوي خليفة الشيخ الطيب المرين، ومعه إخوانه، وابنه الشيخ محمد، في موقعهم بين الناس، لم يغادروا المسيد، ولم يتركوا أهلهم، بل بقوا ثابتين تحت ثقل الخطر، قريبين من الناس، يواسون المكلوم، ويطعمون الجائع، ويشدون أزر الضعيف، ويثبتون أن رسالة الدين ليست قولًا، بل فعلٌ يُختبر في أشد الظروف.

لم يكن موقفهم عابرًا، بل كان امتدادًا لتاريخٍ طويل من خدمة القرآن والناس. كان الشيخ البدوي يحمل مسؤولية الخلافة، ثابتًا على نهج والده الشيخ الطيب المرين، محافظًا على روح المسيد ورسالته. وكان إخوانه سندًا وعونًا، يجتمعون على خدمة المجتمع لا على مصلحة، وعلى البذل لا على الانتظار.

أما الشيخ محمد، ذلك الشاب الورع، فقد كان صورةً من الزهد والعمل، لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشارك في خدمة الناس، ويقف مع المحتاجين، ويجعل من حضوره رسالةً تقول إن الشباب حين يتربى على القرآن والخير، يكون امتدادًا للثبات لا للغياب.

هكذا ظل آل المرين، مع إخوانهم، عنوانًا لصمود المسيد واستمرار رسالته، في وقتٍ كان فيه الوقوف مع الناس أثقل من أي شيء آخر، وفي زمنٍ كانت فيه البنادق قريبة، لكن القلوب كانت أقرب إلى الرحمة.

وفي المقابل، لم تغب عن المشهد مساجد وخلاوي الهلالية الأخرى، مثل مسيد ود عجبين، وغيرها من بيوت الله التي كانت جزءًا من نسيج المدينة الديني والاجتماعي، تحفظ للناس ذاكرتهم الروحية وتاريخهم العلمي، وتبقى شاهدة على أن الهلالية كانت وما زالت أرض قرآن وذكر وخدمة إنسان.

الهلالية اليوم لا تحتاج إلى التعاطف فقط، بل إلى وقفة إنصاف ووفاء. تحتاج أن تُرى بوجعها الحقيقي، لا أن تُختزل في خبر. تحتاج إلى دعم الأسر التي فقدت معيلها، وإلى رعاية الأيتام والأرامل، وإلى حضور اجتماعي يعيد بعض التوازن لحياةٍ انكسرت.

إن ما حدث في الهلالية ليس حدثًا عابرًا، بل صفحة دامية في تاريخ وطن، ونداء إنساني لا يجوز أن يُنسى. فالأوطان لا تُقاس بما تبنيه فقط، بل بما تحفظه من كرامة أهلها وقت الشدة.

رحم الله شهداء الهلالية، وجبر قلوب أهلها، وحفظ مساجدها ومسائدها وخلاويها، وثبّت أهلها على الصبر، وجعل من صمودهم شهادةً على أن المدن قد تُوجع… لكنها لا تموت ما دام فيها قرآن، وذكر، ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
اخيكم مالك عباس

زر الذهاب إلى الأعلى