رأي

النصر المزدوج .. استراتيجية إدارة الصراع بين الدبلوماسية والميدان

بقلم : د. الهيثم الكندي يوسف

يواجه السودان اليوم أعظم اختبار في تاريخه الحديث، إذ يخوض معركة وجودية لتفكيك التمرد على الأرض، فيما يصطدم بحملة ضغوط خارجية مشتدة تسعى لتكبيل إرادته وتغيير مسار الحرب عبر المنابر والطرق الدبلوماسية الناعمة، بعد أن فشل ذلك عن طريق القوة القاهرة.

لذا نرى اليوم تزايد التحركات الدولية والمضاغطات الغربية، مترافقة مع فرضها للعقوبات وتلويحها بمشاريع تسوية تساوي بين المؤسسة العسكرية الشرعية والميليشيا المتمردة. مما يضعنا في مواجهة السؤال الجوهري وهو كيف تتعامل الدولة مع هذا الحصار الخارجي دون أن تفرط في مكاسبها الميدانية أو تخسر الظهير الشعبي في الداخل؟

تتنوع أدوات الضغط الممارسة على قيادة الدولة، حيث تتدرج من العقوبات الإقتصادية (مثل قرار الإتحاد الأوروبي بإيقاف صادر الذهب السوداني) مروراً بإتهام القوات المسلحة باستخدامها الأسلحة الكيميائية، وليس انتهاء بفرض معايير مزدوجة في توصيف الصراع، إذ تصر بعض القوى الدولية على وضع القوات المسلحة، كجهة دستورية حامية للدولة، في كفة واحدة مع ميليشيا مسلحة ارتكبت انتهاكات وجرائم واسعة بحق المدنيين. كما تلجأ هذه الجهات إلي استغلال الموقف الإنساني كأداة للضغط السياسي لفرض هدنة غير متكافئة تمنح من خلالها الميليشيا المتمردة فرصة للاستعداد وإعادة التموضع.

الملاحظة الجديرة بالإهتمام هي تصاعد نبرة التهديد بعقوبات تطال القيادات أو تقيد حركتهم، مما يوثر علي قدرة الدولة في المناورة وبالتالي ضعف قدرتها علي إدارة الحرب وحماية البلاد من تعديات المليشيا في الداخل وأطماع الخارج.

إن الخطأ الأكبر الذي قد يقع فيه معسكر الجيش هو الارتهان للضغوط الخارجية والخضوع لإرادتها على حساب الإرادة الوطنية المدعومة بالتأييد الشعبي الواسع. فالداخل السوداني ليس مجرد متفرج، إذ أنه يمثل الظهير الاستراتيجي والحاضنة الشعبية التي استمد منها الجيش صموده. ورأينا كيف تم استرجاع الكثير من المناطق من المليشيا عبر الجيش ووقفة الشعب بجانبه.

إن أي تسوية تفرضها أطراف خارجية لا تضمن التفكيك الكامل للميليشيا وإنهاء وجودها العسكري والسياسي، ستقرأ في الداخل على أنها تفريط في دماء الشهداء وسيادة الوطن، مما قد يؤدي إلى شرخ بين الشعب ومؤسسته العسكرية. لذلك فإن الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تنبني على معادلة النصر المزدوج بهدف كسب معركة الخارج دون التضحية بحرب الداخل، فالسودان بحتاج لتبني استراتيجية متوازنة تقوم على أربعة أركان أساسية هي:

1- الاستجابة المرنة دون المساومة على الثوابت:

إن التعاطي مع المبادرات الدولية يجب أن يتسم بالدبلوماسية الذكية، لهذا علينا الترحيب بوقف الحرب وحماية المدنيين، ولكن باشتراطات محددة تضمن عدم لعب الميليشيا لأي أدوار عسكرية أو سياسية مستقبلا، أو بمعنى آخر عدم عودتها بأي شكل كان للوضع الذي كان قبل الحرب، وذلك عبر تسليم أسلحتها وتجميعها في مناطق يتفق عليها. بغية إتمام عمليات الدمج والتسريح، ومحاسبة المتورطين في إرتكاب أي انتهاكات.

2 – تنويع التحالفات الدولية:

علي القيادة تجاوز الارتهان لمحاور إقليمية أو دولية بعينها، وبناء شراكات استراتيجية متوازنة مع قوى دولية كبرى (مثل الصين وروسيا) ودول إقليمية تحترم سيادة السودان، مما يكسر حدة الهيمنة والأحادية في الضغط الخارجي.

3 – تقوية الحاضنة الوطنية وتوحيد الصف:

ينبغي تحصين الجبهة الداخلية عبر إشراك القوى الوطنية الحية، والشباب والمقاومة الشعبية، في رؤية سياسية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب. إن وجود صف وطني متماسك من شأنه أن يمنح القيادة قوة تفاوضية صلبة أمام أي ضاغط خارجي.

4.معركة الإعلام والسردية الدبلوماسية:

من الأهمية خوض المعركة الإعلامية والدبلوماسية بنشاط وهمة عالية، عبر توضيح خطل وكذب الادعاءات بإستخدام القوات المسلحة الأسلحة الكيميائية، وكذلك كشف جرائم وانتهاكات المليشيا بالوثائق والأدلة للمجتمع الدولي، وفضح القوى الإقليمية الداعمة للميليشيا بالمال والسلاح والمرتزقة، لتحويل الضغط الدولي من كاهل الجيش إلى عنق رعاة التمرد.

يحتم علينا الوضع الراهن القول بأن الإرادة الوطنية هي الفصل، فالحرب التي نخوضها لا تحسم فقط بالبندقية، وإنما أسلحتها متعددة، يأتي على رأسها القدرة على الصمود في وجه الضغوط الدولية. لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تمسكت بسيادتها وإرادتها الشعبية استطاعت في النهاية فرض واقعها على المجتمع الدولي.

إن الدولة السودانية بقواتها المسلحة ومقاومتها الشعبية، قادرة على تجاوز معركة الضغوط الخارجية، بشرط أن تظل بوصلتها متجهة دائما نحو إرادة الشارع السوداني، فالخارج قد يملك أدوات الضغط، لكن الداخل وحده من يملك حق الوجود وتحقيق النصر.

زر الذهاب إلى الأعلى