د. معاوية عبيد يكتب: صرير القلم …عقدة الخواجة وحكاوي مختلفة

رأي : خطوة برس
أذكر ونحن في نهاية مرحلة الابتدائي وكان ابن خالتي في بداية المرحلة المتوسطة أن تقابلنا ذات عصر عند ميدان كرة القدم الخاص بمدرسته كان يكبرني بعام واحد وكان برفقته بعض زملائه في الفصل وأحد أصدقائه،
لفت نظري ذلك الصديق منذ الوهلة الأولى كان شديد البياض أو كما كنا نصف في ذلك العمر لونه (أحمر …لون الخواجات) ! أعجبت به كثيراً فقد كان ودوداً ظريفاً بشوشاً وقريباً من النفس .
انتهى تمرين كرة القدم وحان موعد صلاة المغرب فاتجهنا إلى داخل المدرسة لأداء الصلاة وهناك كانت المفاجأة التي بقيت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم ، وجدت صديق ابن خالتي يتوضأ استعداداً للصلاة، فقلت لابن خالتي وبهمسة بريئة لا تخلو من الدهشة:
( الخواجة المسيحي بيصلي زي صلاتنا )
أطلق ابن خالتي ضحكة خفيفة، ثم أخبرني أن الرجل ليس (خواجة) ولا مسيحياً وأنه مسلم يجيد الصلاة ويحفظ القرآن، ولم تمض دقائق حتى وقف ذلك الشاب الوقور إماماً بنا، وأجاد القراءة والحفظ بصورة أدهشتني . كبرنا و كبر ذلك الخواجة و اصبح من الذين يشار اليهم بالبنان و شقه طريقه بنجاح ، لم التقيه و لكنني و جدت اسمه منحوتا في احد إبداعات بلادي .
كانت تلك واحدة من أولى الدروس التي علمتني أن الإنسان لا يُعرف بلونه أو ملامحه أو شكله وأن الصور التي نرسمها في مخيلتنا ونحن صغار قد تكون أبعد ما تكون عن الحقيقة
وتلك هي في جانب منها (عقدة الخواجة) التي ارتسمت في مخيلتنا ( لونٌ وشكلٌ وانطباعاتٌ موروثة) سرعان ما تسقط أمام أول تجربة حقيقية مع الإنسان، ومن هنا جاءتني هذه الذكرى وأنا أحضر، بدعوة كريمة من الأستاذة سهام، تدشين كتاب ( حائط برلين الآخر… حكاوي مغايرة لإنسان مغاير) ، للراوي والحكّاء الكابتن طيار عادل المفتي .
دخلت إلى الكتاب فوجدت نفسي أمام عالم آخر من الحكايات، عالم يمتد بين السماء والأرض وبين الرحلات والإنسان وبين الخطر والتأمل وبين الواقع وما يتركه في النفس من أسئلة وذكريات … كانت الكتابة سلسة، ممتعة، تشعرك بأمان الرحلة وأنت تقرأ ثم تأخذك بهدوء إلى مشاهد بعيدة فتتجول بخيالك بين البلدان والبحار والسحب والأحداث وتشعر أحياناً أنك لست قارئاً لحكاية، وإنما أحد ركاب تلك الرحلة ،وقد أوقفني كثيراً ذلك السرد الذي يقول فيه الراوي، في لحظة مشحونة بالقلق:
( ألا تدري ماذا حدث؟ لقد غرقت الباخرة في البحر…) .
فتتوقف معه ويبدأ خيالك في استكمال المشهد ثم تعود لتواصل الرحلة معه من جديد .
وفي موضع آخر، يأخذنا الراوي معه وهو يركز بصره على مياه البحر المتوسط الواسعة ويرى السفن تتجه من كل صوب، كل سفينة إلى وجهتها، مستشهداً بقوله تعالى: ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
هنا لا يعود السرد مجرد وصف لرحلة أو استعراض لذكريات طيار وإنما يتحول إلى تأمل في الحياة والإنسان والقدر ويظهر بوضوح إيمان الراوي بالقضاء والقدر بما يحمله من خير وشر وبأن الإنسان مهما امتلك من معرفة وخبرة يظل مسافراً في دروب لا يعرف نهاياتها
ولعل هذا واحدة من أجمل ما في الكتاب أن عادل المفتي لا يروي الحكاية لمجرد الحكاية وإنما يمنحها شيئاً من روحه ومن تجربته ومن إيمانه ومن تأملاته الفلسفية والصوفية والإنسانية والوطنية .
لقد عاش الرجل سنوات طويلة محلقاً في الأجواء وشهد عوالم مختلفة والتقى بشخصيات متعددة وعاصر أحداثاً ومواقف لا تتكرر كثيراً في حياة الإنسان وكان يمكن لهذه الذكريات أن تبقى حبيسة الذاكرة، لكنه اختار أن يمنحها للقراء وأن يحولها إلى حكايات مكتوبة تظل قابلة للحياة بعد أن تنتهي الرحلة ، وفي جلسة التدشين كانت هناك مداخلات ونقاشات ونقد من عدد من الحضور وضع كل منهم لمساته على الحكايات وتقبل الراوي ذلك كله برحابة صدر ورجاحة عقل وكأن الحكاية عنده ليست ملكاً خاصاً بقدر ما هي مساحة مفتوحة للحوار والتأمل ، وقد كان واضحاً من خلال النقاش أن هذه التجربة الثرية قادرة على أن تتجاوز كتاباً واحداً وأن ما تختزنه ذاكرة الراوي من أحداث وتجارب يصلح لأن يكون أكثر من كتاب وأكثر من رحلة ،فقد شهدت له عوالم الطيران الداخلية والخارجية وشهد له من عمل معه بتواضعه وإنسانيته وجاءت كتاباته محملة بنزعة إيمانية عميقة وبمساحات من التصوف والفلسفة والحب الوطني وكلها اجتمعت في (حائط برلين الآخر) لتصنع تجربة مختلفة في السرد .
وإذا كان ( حائط برلين) الأول قد ارتبط في الذاكرة الإنسانية بالجدران التي تفصل البشر، فإن ( حائط برلين الآخر) يبدو وكأنه محاولة لكسر جدران أخرى، جدران الصورة النمطية والانطباعات السريعة والخوف من المجهول والمسافات التي نصنعها بيننا وبين الآخر
وهنا أعود إلى ( عقدة الخواجة)،الصغيرة التي حملتها معي منذ الطفولة .
فقد تعلمت يومها أن اللون لا يصنع إنساناً وأن المظهر لا يكشف بالضرورة عن الحقيقة وأن ما نظنه عن الآخر قد يكون مجرد صورة رسمناها في أذهاننا دون أن نعرفه وهذا في تقديري جزء من جمال الحكاية فهي تجعلنا نعيد النظر في الأشياء التي اعتدنا أن نراها بعين واحدة .
وفي ختام الكتاب اختار الراوي أن يجعل من ثمرة هذا العمل مساهمة في التوعية المستدامة بخطورة تعاطي المخدرات من خلال التبرع بريع الكتاب لهذا الغرض ، وهذه الخاتمة ليست تفصيلاً عابراً فهي تكشف عن جانب آخر من شخصية عادل المفتي جانب الإنسان الذي لا يريد أن تنتهي رحلته عند حدود الكتاب وإنما يسعى لأن تتحول كلماته إلى أثر وأن تمتد تجربته إلى قضية تمس المجتمع وشبابه ومستقبل أجياله، كانت جلسة التدشين ممتعة والحكايات أكثر أناقة ، خرجت منها وأنا أردد في داخلي أن بعض الكتب لا تقرأها فقط بل تسافر معها وأن بعض الرواة لا يحكون ما حدث لهم فحسب وإنما يمنحونك فرصة لأن ترى العالم بأعينهم وتعيش معهم خوف الرحلة ودهشة الاكتشاف ومتعة التأمل وإيمان الإنسان بأن ما كتبه الله له سيأتيه، وأن لكل رحلة حكاية ولكل حكاية أثر و راوي مبدع و فنان .
أما ( عقدة الخواجة) فقد بقيت في الذاكرة كحكاية طفولية طريفة لكنها علمتني درساً كبيراً : ( لا تحكم على الإنسان من لونه ولا من شكله ولا من الصورة التي رسمتها عنه قبل أن تعرفه، فالإنسان حكاية أعمق بكثير من ملامحه ) و الراوي في ( حائط برلين الآخر) فتح لنا باباً واسعاً إلى حكاياته وأثبت أن وراء كل رحلة حكاية و وراء كل حكاية إنساناً ووراء الإنسان عالمًا كاملاً يستحق أن يُروى .





