رأي

د. معاوية عبيد يكتب : صرير القلم … أفلح إن صدق!

رأي : خطوة برس

بين ابتلاءات الحياة وامتحان الضمير.. هل أحسنا قراءة دروس المحنة؟
(أفلح إن صدق).. كلمات قليلة لكنها تحمل من المعاني والدلالات ما يجعلها منهج حياة وميزاناً للإيمان وصدق الالتزام ، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلاً من أهل نجد جاء إلى رسول الله صل الله عليه وسلم يسأله عن شرائع الإسلام فأخبره النبي بالصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة . فسأله الرجل: هل عليَّ غيرها؟ فقال صل الله عليه وسلم: (لا، إلا أن تطوّع ).
فقال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فلما ولّى قال رسول الله صل الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق).
إنها شهادة نبوية عظيمة ربطت الفلاح بالصدق فليس العبرة بكثرة الادعاء ولا بجمال الشعارات، وإنما بصدق الإيمان، والاستقامة على الفرائض واجتناب المحرمات وأداء الحقوق ومراقبة الله في السر والعلن .
وفي زماننا هذا زمن المحن والابتلاءات حيث تتزاحم الفتن وتشتد المغريات يصبح التمسك بالدين و الاستقامة على الحق كالقابض على الجمر ، كما أخبرنا المصطفى صل الله عليه وسلم ، فالمؤمن الحق لا يُختبر إيمانه في أوقات الرخاء وحدها وإنما تظهر معادن الرجال حين تضيق السبل وتشتد الأزمات وتغيب الرقابة وتصبح الفرصة متاحة للتعدي على حقوق الآخرين .
ولعل ما مر به الشعب السوداني خلال سنوات الحرب والدمار كان امتحاناً عظيماً للإيمان والصبر والتكافل والتراحم .
حرب ضروس قضت على الأخضر واليابس وشرّدت الملايين ودمّرت المؤسسات والمرافق وأثقلت كاهل المواطن بمآسٍ لا تزال آثارها ماثلة في كل بيت، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم : هل أحسنا قراءة دروس هذه المحنة؟
وهل جعلنا مما أصابنا فرصة لمراجعة أنفسنا وتصحيح سلوكنا والعودة إلى قيمنا السودانية الأصيلة؟
لقد انقشع جانب من غبار المعركة وبدأت أعداد كبيرة من المواطنين رحلة العودة إلى ديارهم وشرع السودانيون في معركة إعادة البناء طوبةً طوبة وبالجهد والعرق ومن حر مالهم .
خرج المواطن من تحت ركام الحرب يبحث عن لقمة عيش كريمة وعن سقف يأويه ومدرسة تستقبل أبناءه ومستشفى يجد فيه العلاج وشارع آمن يعبره دون خوف ، لكنه فوجئ بأن معركة الحياة اليومية لا تقل قسوة عن معركة الحرب ، أزمة مواصلات وغلاء أسعار وارتفاع في تكاليف المعيشة وزيادات متلاحقة في رسوم المدارس والجامعات وأعباء ترحيل الطلاب وارتفاع تكاليف العلاج، بل إن الحصول على بعض الخدمات الأساسية أصبح حلماً بعيد المنال .
والأشد إيلاماً أن بعضنا لم يتعظ من دروس المحنة ولم يجعل من الابتلاء مدخلاً لمراجعة الضمير بل ازدادت مظاهر الجشع والطمع وغابت الرحمة عن بعض المعاملات، فها نحن نشهد المغالاة في الأسعار و الاحتكار واستغلال حاجة الناس ورفع الأسعار دون مبرر وكأن الحرب لم تكن كافية لتذكيرنا بقيمة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة ،بل إن بعض صور التعامل بين الناس أصبحت مؤسفة حتى كأن الأخ يأكل لحم أخيه حياً لا يراعي حاجة ولا يرحم ضعفاً ولا يستحضر أن الله الذي وسّع عليه في الرزق قادر على أن يبتليه في لحظة .
أين نحن من قول رسول الله صل الله عليه وسلم : [ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ]؟
وأين نحن من قوله صل الله عليه وسلم: [من غش فليس مني ]؟
إن التاجر الذي يحتكر قوت الناس ويرفع الأسعار استغلالاً لحاجتهم والموظف الذي يستغل موقعه وصاحب الخدمة الذي يضاعف أعباء المواطن دون وجه حق كل هؤلاء بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس واستحضار مراقبة الله قبل أن تكون هناك رقابة من الدولة أو القانون .
إن المواطنة مسؤولية أخلاقية وسلوك يومي والوطن لا يُبنى بالبندقية وحدها ولا يتحقق الانتصار فيه بتحرير الأرض فحسب وإنما تكتمل معركة الكرامة حين يشعر المواطن أن كرامته مصونة وحقوقه محفوظة وأن هناك من يحميه من جشع المستغلين وتجار الأزمات .
ومن هنا تقع على عاتق الدولة مسؤولية كبيرة في ضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار ومحاربة الفساد ومحاسبة كل من يستغل حاجة المواطنين أو يتلاعب بقوتهم ومعاشهم ، فكما أن للوطن أعداءً في ميادين القتال فإن له أعداءً في ميادين الاقتصاد والمعاملات وربما كان خطر بعضهم أشد على حياة المواطن اليومية لأنهم يسرقون منه الأمل في غد أفضل .
إن الدولة مطالبة بأن تضرب بيد القانون على كل من تسوّل له نفسه العبث بحياة الناس وأن تجعل حماية معاش المواطن أولوية لا تقبل التأجيل ، فالانتصار الحقيقي ليس أن يعود المواطن إلى منزله فحسب بل أن يجد فيه أسباب الحياة الكريمة وأن يأمن على أسرته وأن يستطيع تعليم أبنائه وعلاج مرضاه وتوفير احتياجاتهم الأساسية .
أما الشعب السوداني، فعليه أن يتمسك بحبل الله المتين وأن يجعل الصبر والتراحم والتكافل سلاحاً في مواجهة تحديات المرحلة ، علينا أن نعيد إحياء قيم النجدة والنخوة وإغاثة الملهوف وأن نكون لبعضنا سنداً وعوناً لا عبئاً جديداً يضاف إلى أعباء الحرب، ولعل من أعظم ما يمكن أن نخرج به من هذه المحنة أن نعيد ترتيب علاقتنا بالله وأن نراجع معاملاتنا وأن نؤدي الحقوق إلى أهلها وأن نبتعد عن الحرام وأن نعلم أن الرزق الحلال وإن قلّ خير من مال كثير اختلط بالظلم وأكل حقوق العباد .
فإذا أدى المسؤول أمانته وأخلص التاجر في تجارته ورحم القوي الضعيف وأعان الغني الفقير وحفظ الجار حق جاره واستشعر كل فرد أن الله يراه ويراقبه عندها فقط نكون قد بدأنا معركة البناء الحقيقية .
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده بل يحتاج إلى إعادة بناء الضمير وترميم ما تصدع في النفوس من قيم الرحمة والتسامح والإيثار ،ولن يكون لنا فلاح في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلا بصدق الإيمان والعمل
فأفلح إن صدق… صدق في إيمانه وصدق في معاملاته وصدق في حبه لوطنه وصدق في أداء الأمانة وصدق في حفظ حقوق الناس .
فهل نكون قد تعلمنا من دروس المحنة؟ وهل ننتصر في معركة الضمير كما انتصرنا في معركة الأرض؟
إنها دعوة لمراجعة النفس قبل محاسبة الآخرين ولتصحيح المسار قبل فوات الأوان ، فالفلاح ليس أن نخرج من الحرب أحياء فحسب وإنما أن نخرج منها أكثر إيماناً ورحمةً وعدلاً وإنسانية .
أفلح إن صدق!

زر الذهاب إلى الأعلى