د. الهيثم الكندي يوسف يكتب : “دابي في خشمو جراداية”

رأي: خطوة برس
الثقافة المحلية في دارفور غنية بالأمثال الشعبية والتي لها القدرة علي التعبير عن أعقد المواقف والأحداث. ويبرز المثل الذي عنونت به مقالي هذا كأحد النماذج الحية لذلك. والمثل كاملا هو (دابي في خشمو جراداية ولا بعضي) وقد قصدت كتابته بالدارجية المحلية وكما ينطقه أهله ليصل طازجاً وومتعاُ ومعبراً كما هو في بيئته. فالثعبان حينما ينشغل بإبتلاع جرادة صغيرة، يفقد تلقائياً قدرته علي اللدغ أو الدفاع عن نفسه، فيصبح مستأنساً مشغولاً بمعركته الصغيرة تلك.
علاقة ضرب المثل هنا هو أن هناك وجهة نظر تقول بأن ثمة جهة تريد إلغاء الوعي، وتغبيش الرؤية العامة عبر إلهائنا بالتريندات المصنوعة، وتركنا نطاردها وننشغل بالحديث عنها والمداولة حولها، مخافة طرح الأسئلة الملحة والنظر بجدية في مآلات الأوضاع والبحث عن الإجابات الشافية للأسئلة الصعبة كسؤال لماذا قبل وماذا بعد؟. فهي بهذا تحقق هدفاً استراتيجيا، فضلاً عن تصفية حساباتها مع خصومها كهدف تكتيكي. ثم إنها كثيراً ما مررت الكرة ما بين أقدامنا ونحن نلهث خلف الكيبورد لنواكب هذه التريندات.
هذه الجهة أدركت أهمية التريند ودور وسائل التواصل الاجتماعي في خلق الرأي وتوجيه الأنظار نحو اتجاه معين، خاصة بعد ما شاهدت ما لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في التحشيد للمظاهرات الشعبية التي كان لها دوراً كبيراً وحاسماً في انضاج الطبخة السياسية التي أطاحت بنظام الإنقاذ.
لهذا السبب قررت هذه الجهة عكس الآية، فبدلاً من محاربة منصات التوعية ومواجهتها، قامت بإحتوائها بذكاء وتوجيهها عبر غرف إلكترونية منظمة خلقت لهذا الغرض. لذلك نحن الآن موجهون ومساقون، فمن سالي إلى العسجد إلى لقاء كباشي – بولس، وغداً تريند جديد دون أن نشغل أنفسنا بالسؤال الأهم وهو لماذا أصلا هناك سالي أو عسجد أو بولس؟!
إذاً، و وفق ما أوردته، فنحن (الدابي) والتريند هو (الجراداية) التي ألقيت في فمنا، فلا يخاف المحرك للتريند عضاً ولا رهقا.
الراجح أن هذا الأمر ترصد له الأموال، وتسخر له بعض الأقلام والمؤثرين وصناع الرأي. إنها سياسة القطيع التي جعلت الناس يُخدعون سابقاً بوهم ثورة ديسمبر قبل أن يقطف ثمارها محركو الغرف وصانعو البربوغندا. فلماذا لا نتعظ والوضع يزداد سوءا؟ ولا أمل يلوح في الأفق ويفتح باباً لحل يعيد البلاد والعباد إلى الأوضاع الطبيعية.
أما آن لهذه الأفواه أن تلفظ (الجراداية) ولهذا (الدابي) أن يسترد لدغته؟! لنمضي في حسم معركتنا الحقيقية، معركة استرداد كرامة الوطن والمواطن، فالمستقبل لا ينتظر الغافلين والمغيبين المشغولين بمطاردة سراب (التريندات).





