حين تبكي الشعوب أهل الوفاء… السودان يودع الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

بقلم : مالك عباس
هناك رجالٌ لا يُقاسون بطول أعمارهم، ولا بما تقلدوه من مناصب، وإنما بما تركوه من أثرٍ في حياة الناس. وعندما يرحل أحد هؤلاء، فإن الحزن لا يقف عند حدود وطنه، بل يمتد إلى كل أرضٍ عرفته بالخير والعطاء. وهكذا كان رحيل سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم يكن بالنسبة لكثير من السودانيين مجرد قائد لدولة شقيقة، بل رجلًا ارتبط اسمه بمواقفٍ وإنجازاتٍ وإنسانيةٍ ستبقى راسخة في الذاكرة.
لقد عرف السودان الشيخ حمد من خلال الأفعال قبل الأقوال. فكم من مشروعٍ تنموي أُقيم، وكم من مستشفى ومركزٍ صحي أسهم في تخفيف معاناة المرضى، وكم من مسجدٍ ارتفعت مآذنه ليُذكر فيها اسم الله، وكم من أعمالٍ خيرية وإنسانية وصلت إلى المحتاجين في مختلف أنحاء السودان، حتى أصبحت بصمات قطر في عهده شاهدةً على عمق الأخوة بين الشعبين.
ولم يكن ذلك العطاء موجهاً إلى منطقة أو قبيلة أو فئة بعينها، بل كان للسودان كله، شماله وجنوبه، شرقه وغربه ووسطه. ولذلك لم يكن مستغربًا أن ترتفع الأكف بالدعاء له من آلاف السودانيين، وأن تُقام صلاة الغائب في عددٍ من المساجد، تعبيرًا عن الوفاء لرجلٍ عرفه الناس بالإحسان.
إن الشعب السوداني شعبٌ لا ينسى المعروف. قد تمر السنوات، وتتغير الظروف، لكن يبقى الجميل محفوظًا في القلوب، ويظل أصحاب المواقف الطيبة محل تقدير واحترام. وهذه إحدى القيم التي عُرف بها السودانيون عبر تاريخهم؛ فهم يردون الوفاء بالوفاء، والدعاء بالدعاء، ويذكرون من أحسن إليهم بكل خير.
اليوم، وبينما تودع دولة قطر أحد كبار رجالاتها، يشاركها السودانيون هذا الحزن بصدق، لأن العلاقة بين الشعبين لم تكن يومًا علاقة مصالح عابرة، بل علاقة أخوة صادقة صنعتها المواقف، ورسخها العطاء، وحفظتها ذاكرة الشعوب.
رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمةً واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدم من أعمالٍ نافعة، وما أسهم به في دعم الإنسان والتنمية والخير. ونسأل الله أن يجعل كل مسجدٍ أُقيم، وكل مريضٍ تعافى، وكل محتاجٍ أُعين، وكل عملٍ صالحٍ امتدت آثاره إلى الناس، في ميزان حسناته.
سيظل السودانيون يرددون دائمًا: المعروف لا يضيع، ومن أحسن إلى السودان وأهله، سيبقى اسمه محفوظًا في وجدانهم، حيًا في دعواتهم، خالدًا في ذاكرتهم.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾





