رأي

لماذا تستعصم الجماهير ببندقية الجيش وتتعثر أحلام التغيير؟

بقلم : د. الهيثم الكندي يوسف

ثمة حقيقة موضوعية تفرض نفسها على المشهد السياسي السوداني، وهي أنه ستظل هناك حاجة لوجود المؤسسة العسكرية في الحكم طالما المهددات الأمنية التي تأتي من الهامش موجودة. تكمن المشكلة الأساسية في أن النخب التي تفرزها المناطق المهمشة تلك، كانت تتخذ من مشاكل أهلها رافعة سياسية واقتصادية دون السعي بجدية لحل تلك القضايا. لهذا السبب فشلت كل المحاولات لحل مشكلة السودان لأنها اتخذت منهجية خاطئة.

إن الفوارق الاقتصادية التي كانت السبب الرئيسي للتهميش وبالتالى المحرك للتمرد في الأطراف المهمشة، غدت نفسها السبب في اتساع التهميش وزيادة الفوارق الحضرية بين مناطقهم والمناطق الأخرى المستقرة من البلاد. وذلك نتيجة لدمار البنى التحتية الذي تخلفه الحرب، فضلاً عن ما تقوم به من تعطيل لمشروعات التنمية وانهيار قطاع التعليم الذي كان من المؤمل أن يرفع الوعي ويغير من وضع هذه المجتمعات.

لقد كانت النخب في تلك المناطق تلجأ المرة تلو الأخرى لحمل السلاح، وبالتالي تجد المجتمعات في المناطق المستقرة نفسها أحوج إلى أنظمة حكم عسكرية تحفظ الأمن وتردع خطر وصول حركات الهامش المسلحة. وفي سبيل تحقيق هذا الأمن، فإن الجماهير في الحواضر والمناطق المستقرة كانت ترضى بأن تضحي ببعض الحقوق والحريات السياسية.

و نسبة لطبيعة وظروف الصراع في مناطق التمرد، كانت الأنظمة المركزية تستفيد من التباينات الاجتماعية لتجنيد قبائل ضد قبائل أخرى متمردة لمحاولة وأد هذه التمردات، وما زال هذا النهج يحدث الآن.

وليست من نافلة القول أن الحقيقة الأسيفة التي اكتشفت مؤخراً أنه ما كان ليكون هناك دعم سريع إن لم تنشأ حركات مسلحة. وهذا يعني أن الوضع الحاصل الآن في دارفور – والذي يدفع ثمنه بصورة أكبر المجتمعات التي تنتمي للحركات المسلحة التي فقدت معظم أراضيها – هو النتيجة الحتمية للخطأ الذي حدث سابقاً، وهو حمل السلاح للمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية كان يمكن الحصول عليها بطرق أخرى. أما الخطأ الأكبر فكان في استعانة الحكومات بالمجتمعات الأخرى المناوئة لحل مشكلة حمل السلاح ضد الدولة، رغم قناعتي بأن الحكومات كانت مضطرة لذلك لأسباب كثيرة الخوض فيها الآن سيخرجنا من الفكرة التي نحن بصددها.

ولأن الحرب استغرقت كل تاريخ السودان الحديث تقريباً، حيث اشتعلت أولى التمردات قبيل الاستقلال واستمرت بصورة شبه دائمة حتى الآن، فإنه ليس من المستغرب أن تحكم الأنظمة العسكرية جل عمر الدولة السودانية بعد الاستقلال. ومن هنا نفهم كيف أن الانقلابات العسكرية كانت تحظى بدعم شعبي جارف من عموم المواطنين الذين كان يؤرقهم الخطر والانفلات الأمني ومخاوفهم من وصول الحرب إليهم والتي وصلتهم في نهاية المطاف وذاقوا ويلاتها.

في المقابل فإن النخب السياسية المعارضة خاصة اليسارية منها، إذا لم تفهم الفرضية التي بينتها في أعلاه، فستظل أحلامها في الحكم بعيدة المنال. حيث تتلخص أزمة هذه القوى في إصرارها على حمل الناس على تبني أفكار لا يمكن أن تنبت في التربة السودانية لأسباب اجتماعية وسياسية متعلقة بتشكل المجتمع السوداني نفسه، ودور الدين الحاسم في بناء السودان الحالي وتحالفاته التي شكلت نسيجه الثقافي والاجتماعي. ولهذا السبب لاحظنا مناهضة المجتمع لمحاولة قوى الحرية والتغيير – إبان فترة حكمهم – في فرض قوانين لا تتماشى مع مسلمات عقيدة وأعراف الناس.

بالإضافة إلي ذلك فإن استقواء هذه الأحزاب وعلى الدوام بالحركات الحاملة للسلاح والخارجة عن الدولة لتكون ظهيراً سياسياً لهذه الحركات، جعل الأحزاب في مواجهة مباشرة مع المواطنين العاديين وهم الأغلبية والتي لا تنتمي لأي أحزاب سياسية. هذا العداء رد فعل طبيعي ناجم عن الخوف من أن التمرد هو الذي كان في الحقيقة يستفيد من الدعم السياسي للأحزاب والذي كان يقوي من موقفه، وبالتالي فإن هذه القوة تمثل خطورة على أمن هؤلاء المواطنين، مما يدفعهم للاستعصام أكثر بالقوات المسلحة.

إن هؤلاء المواطنين هم أنفسهم الذين يشعرون الآن بالامتنان لشباب الإسلاميين الذين انخرطوا في الدفاع عن البلاد، وبذلوا من أجل ذلك دماءهم وأرواحهم. لذا فلا غرو أن يصرخ أحد قادة هذه الأحزاب وفي لحظة يأس بأن الشعب كله أصبح (كيزان). ولعل هذه النخب المعزولة لا تدرك حقيقة أن الحاجة للشعور بالأمن عابرة للأيديولوجيا.

ولذات السبب يجب أن يتحلى هؤلاء السياسيون بالواقعية، إذ لا يجب أن يطالبوا في إطار سعيهم لإنهاء الحرب الحالية بحوار ومشاركة في الحكم تتجاوز التيارات الإسلامية، ومحاولة فرض ذلك عن طريق الضغط الخارجي. إن الناس ستعارض ذلك للأسباب المنطقية التي أوردتها، وعليه فإن مثل هذه المطالبات ستطيل من أمد الصراع، مما يوفر الظروف الموضوعية للعسكر ليستمروا في الحكم، واستطالة انتظارهم في الرصيف لقطار انتخابات ربما لا يأتي أبداً.

زر الذهاب إلى الأعلى