رأي

الشيخ الطيب الشيخ علي المرين.. رجلٌ حمل رسالة الدين وبقي أثره

بقلم : مالك عباس

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشيخ الطيب الشيخ علي المرين.. رجلٌ حمل رسالة الدين وبقي أثره

مدخل

في الأول من أكتوبر عام 1999م، فقد السودان واحداً من رجاله الذين جعلوا حياتهم للقرآن والدعوة والإصلاح وخدمة الناس؛ رحل الشيخ الطيب الشيخ علي المرين، لكن الرجال الذين يتركون أثراً في حياة الناس لا تغيب سيرتهم برحيل أجسادهم.

كان الشيخ الطيب من أولئك الذين حملوا همَّ نشر الدين وتعليم القرآن وترسيخ قيم الإسلام في المجتمع. ولم تكن دعوته كلمات تُقال، بل كانت حياةً تُعاش؛ مسيداً مفتوحاً، وخلوةً عامرة بالقرآن، ومجلساً للإصلاح، ومائدةً للضيف، وباباً للفقراء والمحتاجين.

وكان مسيده في الهلالية معلماً من معالم الخير؛ فيه القرآن والذكر، والخلوة واللوح، والتكية وإكرام الضيف، وفيه يجد طالب العلم طريقه، والغريب مأواه، والمحتاج من يقف إلى جانبه، والمتخاصمون باباً للصلح.

ولم يقف أثر الشيخ عند حدود الهلالية، بل امتد إلى مناطق واسعة من السودان، ووصل إلى أبناء من بلدان إفريقية مختلفة، فكانت الخلوة مقصداً لطلاب القرآن، وظل إرثها مرتبطاً برسالة العلم والقرآن والذكر وخدمة الإنسان.

وكان الشيخ، إلى جانب علمه ودعوته، رجل إصلاح وصلاح؛ يحب اجتماع الناس ولا يحب فرقتهم، ويسعى إلى الصلح ولا يرضى بالخصومة، ويقرّب القلوب ويجمع المتباعدين. ولذلك بقي أثره في النفوس أعمق من أن تختصره السنوات.

30 سبتمبر.. موعد الوفاء

ومن هنا أصبحت الثلاثون من سبتمبر من كل عام موعداً ينتظره محبو الشيخ الطيب وأهل الهلالية ومحبو المسيد، فيلتقي الناس حول سيرته وإرثه، وتتلى آيات القرآن، ويقام الذكر، وتصدح المدائح النبوية، وتُستعاد مواقفه في الإصلاح والكرم وخدمة الناس.

إنها ليست مجرد مناسبة لاستحضار رجل رحل، وإنما موعد تتجدد فيه رسالة مدرسةٍ قامت على القرآن والكرم والإصلاح وخدمة الإنسان.

وفي هذا اليوم يعود المسيد إلى الذاكرة حياً برسالته؛ تعود الخلوة واللوح ومائدة الضيف، وتتعانق سيرة الشيخ مع أصوات القرآن والذكر ومدائح المصطفى ﷺ، في مشهد تختلط فيه المحبة بالوفاء، والدعاء بالذكرى.

ولهذا تبقى الثلاثون من سبتمبر موعداً للوفاء؛ موعداً تلتقي فيه القلوب قبل الأجساد، ويتجدد فيه العهد بأن تبقى رسالة الشيخ حاضرة ما بقي القرآن، وما بقي في الناس قلب يعرف فضل الرجال الذين خدموا دينهم ومجتمعهم.

الهلالية.. جرحٌ حاضر في موعد الوفاء

وحين تأتي حولية الشيخ الطيب، لا يمكن أن تُذكر الهلالية دون أن نستحضر جرحها الكبير.

نترحم على أرواح أكثر من 2500 من أبناء الهلالية الذين فقدناهم، ونسأل الله أن يتقبلهم بواسع رحمته، وأن يجعلهم في رحمته ورضوانه، وأن يجبر قلوب أسرهم وذويهم.

إنه فقد أليم وجرح عميق، وقصة ما زالت في الحلق، وستظل جزءاً من ذاكرة الهلالية وأهلها.

وفي قلب هذه المحنة كان الشيخ الدكتور البدوي الشيخ الطيب وإخوانه، وابنه شيخ محمد حاضرين بين أهلهم، يشاركون الأسر أحزانها، ويقفون إلى جانب الناس في ظروفهم العصيبة.

وهنا تظهر قيمة الإرث الذي تركه الشيخ الطيب؛ فالمسيد لم يكن مكاناً للعبادة والتعليم فحسب، بل ظل بيتاً للناس، ومكاناً للمواساة، وباباً للخير، وسنداً للمحتاج والمكلوم.

الأمانة التي لم تنقطع

رحل الشيخ الطيب عام 1999م، لكن رسالته لم ترحل.

فقد واصل الشيخ الدكتور البدوي الشيخ الطيب حمل الأمانة، وحافظ على المسيد والخلوة واستمرار رسالتهما، وظل هذا الإرث حاضراً حتى في أصعب الظروف التي مر بها السودان.

وفي ظل الحرب والمحن، بقيت رسالة القرآن حاضرة، واستمرت الخلوة والمسيد في أداء دورهما في التعليم والذكر وخدمة الناس وإكرام المحتاجين والوقوف إلى جانب أهل المنطقة.

كما ظل الشيخ البدوي قريباً من الأسر وأهل الهلالية، حاضراً في أفراحهم وأتراحهم، قريباً من الناس في ظروفهم المختلفة، وهو امتداد طبيعي لمدرسة تربّت على أن خدمة الناس جزء من رسالة الدين.

وهذه هي عظمة الإرث الحقيقي:

أن يرحل الرجل ولا ترحل رسالته،
أن يغيب الجسد ويبقى الأثر،
أن تتغير الأزمنة ويبقى القرآن،
وأن تشتد المحن ولا ينطفئ نور الخلوة.

رسالة إلى الدولة

ومن هذا المقام، فإننا نحن محبي الشيخ الطيب ومريديه وأهل المسيد، نرى أن حولية الثلاثين من سبتمبر تستحق أن تحظى بما يليق بمكانة الشيخ وإرثه الديني والاجتماعي.

ونتطلع إلى حضور رأس الدولة ومؤسساتها الرسمية في هذه المناسبة، أو تمثيلها الرسمي فيها، تقديراً لمكانة الشيخ، واحتراماً لدور المساجد والخلاوي والتكايا في المجتمع السوداني، وتكريماً لمسيرة رجل امتد أثره من الهلالية إلى أنحاء السودان، ووصل إلى طلاب القرآن من خارج البلاد.

إن الحضور الرسمي في هذه المناسبة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حضوراً احتفالياً فحسب، بل باعتباره تقديراً لإرث ديني واجتماعي ظل حاضراً في حياة الناس عبر عقود.

فالهلالية ليست مجرد مكان تقام فيه الحولية؛ إنها تحمل ذاكرة رجال، وسيرة علماء، وتاريخ مسيد، وقلوب آلاف من المحبين، وجرحاً كبيراً يحتاج إلى الوفاء والدعاء.

ويبقى الشيخ حاضراً

رحم الله الشيخ الطيب الشيخ علي المرين؛ الرجل الذي جعل من حياته خدمةً لدين الله، ومن مسيده بيتاً للقرآن، ومن خلوته منارةً للعلم والذكر، ومن مائدته باباً لإكرام الضيف، ومن قلبه مساحةً للإصلاح بين الناس.

ورحم الله فقداء الهلالية جميعاً، وجبر الله كسر أسرهم، وحفظ الله الشيخ الدكتور البدوي الشيخ الطيب وإخوانه، وحفظ رجال المسيد والخلوة، وبارك في كل من يحمل أمانة هذا الإرث.

وستظل الثلاثون من سبتمبر موعداً للوفاء؛ موعداً تجتمع فيه القلوب حول القرآن وذكر الله ومدح سيد الخلق ﷺ، وحول سيرة رجل غاب عن العيون، لكنه بقي حاضراً في المسيد والخلوة وذاكرة الهلالية وقلوب محبيه.

سلامٌ على روح الشيخ الطيب الشيخ علي المرين يوم حمل رسالة القرآن، ويوم أفنى عمره في خدمة الناس، ويوم رحل، ويوم بقي أثره حياً في المسيد والخلوة وقلوب محبيه.

زر الذهاب إلى الأعلى