رأي

الأستاذة إخلاص أحمد محمد.. حين يكون المنصب إنسانية قبل أن يكون وظيفة

بقلم : مالك عباس

هناك أشخاص لا تحتاج إلى معرفة شخصية بهم حتى تعرف معدنهم؛ فالمواقف وحدها تكشف حقيقة الإنسان، وشهادة الناس عنه تبقى أصدق من أي منصب أو لقب.

ومن هؤلاء الأستاذة إخلاص أحمد محمد، المدير الإداري بسفارة جمهورية السودان بالرياض، التي كانت فترة عملها واحدة من أفضل الفترات، ليس فقط بما قدمته من عمل إداري، وإنما بما تركته من أثر إنساني عميق في نفوس السودانيين.

أنا لم أعرف الأستاذة إخلاص أحمد محمد من خلال علاقة شخصية مباشرة، وإنما عرفتها من خلال مواقفها وحكايات الناس عنها. وكلما سمعت قصة عنها، ازددت يقيناً بأننا أمام إنسانة جعلت من موقعها وسيلة لخدمة الناس، ولم تجعل المنصب حاجزاً بينها وبينهم.

وفي زمن الحرب والنزوح، عندما ضاقت الدنيا بالكثير من الأسر السودانية، لم تكتفِ بالكلمة الطيبة أو بالتوجيه، بل تجاوز عطاؤها حدود الوظيفة والمسؤولية، حتى إن سكنها الخاص أصبح مأوى لعدد من الأسر التي احتاجت إلى مكان آمن تلجأ إليه.

وهذه ليست مسألة عادية يمكن أن تمر مروراً عابراً؛ فالإنسان قد يفتح مكتبه للناس، لكن أن يفتح بيته الخاص لمن ضاقت بهم الظروف، فذلك موقف يكشف معدن صاحبه.

والأجمل أن هذه الإنسانية لم تكن مرتبطة بوقت الدوام أو بساعات العمل. فقد كانت تدخل بيتها في ساعات متأخرة من الليل، وهي تحمل هموم الناس ومشاكلهم، وتظل حاضرة متى احتاج إليها أحد. لم يكن الليل بالنسبة لها حاجزاً أمام واجب إنساني، ولم تكن مشكلات الناس مؤجلة إلى ساعات العمل الرسمية.

حتى ابتسامتها كانت جزءاً من رسالتها؛ ابتسامة تستقبل بها الناس وتخفف بها عنهم، وتمنح من أمامها إحساساً بأن هناك من يسمعه ويهتم بأمره.

وفي سنوات الحرب والنزوح، ومع ما واجهه السودانيون من ظروف قاسية، كان اهتمامها يمتد إلى المحتاجين والمغتربين والأسر، وإلى قضايا المدارس الأهلية والطلاب والامتحانات وإقامة الامتحانات في مختلف المراكز، حرصاً على ألا تتوقف مسيرة أبناء السودان التعليمية رغم كل ما حدث.

لقد كانت نموذجاً مشرفاً للمسؤول السوداني الذي يجمع بين الكفاءة الإدارية والرحمة والكرم وحسن التعامل؛ مسؤولاً يستطيع أن يمثل بلده ليس بالكلام وحده، وإنما بأخلاقه وسلوكه ومواقفه.

ولهذا فإن الحديث عن الأستاذة إخلاص أحمد محمد لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن انتهاء فترة عمل، بل هو حديث عن سيرة طيبة تركتها وراءها.

ربما لا نعرف كل مواقفها، وربما هناك أسر وأشخاص يحملون في ذاكرتهم قصصاً عنها لا يعرفها غيرهم، لأن كثيراً من أعمال الخير لا تُعلن ولا تُكتب في التقارير.

لكن يكفي أن الناس تتحدث عنها بالخير.

وهذه أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها مسؤول.

لقد كانت فترة الأستاذة إخلاص أحمد محمد من أجمل الفترات التي يمكن أن يتحدث عنها السودانيون في سفارتهم بالرياض، ولو كان الأمر بأيدينا، لجددنا لها أربع سنوات أخرى، تقديراً لعطائها ووفاءً لمواقفها، وليس مجاملة لشخص أو منصب.

فالمناصب تنتهي، والمسؤوليات تتغير، لكن محبة الناس لا تُمنح بقرار إداري، وإنما تُكتسب بالمواقف.

شكراً للأستاذة إخلاص أحمد محمد على أخلاقها وكرمها، وعلى وقفتها مع المحتاج والمغترب، وعلى ما قدمته خلال سنوات الحرب والنزوح، وعلى اهتمامها بالتعليم والطلاب والمدارس والامتحانات والمراكز، وعلى كل بيت فتحته، وكل أسرة احتضنتها، وكل إنسان وجد عندها كلمة طيبة أو موقفاً صادقاً.

كانت ابتسامتها رسالة، وبيتها في بعض أصعب الأيام كان ملاذاً، ومواقفها كانت خير تعريف لها.

وهكذا يكون تمثيل السودان الحقيقي؛ أن يرى الناس في المسؤول أخلاق السودان وكرم أهله ونخوته وإنسانيته.

الأستاذة إخلاص أحمد محمد..

غادرتِ موقعاً وظيفياً، لكنك تركتِ وراءك شيئاً أثمن من المنصب: محبة الناس وذكريات المواقف الطيبة ودعوات من وقفتم إلى جانبهم.

نسأل الله أن يجزيكِ خير الجزاء، وأن يجعل كل ما قدمتِه في ميزان حسناتك، وأن يوفقكِ في حياتك وخطوتك القادمة.

ولو كان الأمر بأيدينا، لكان التجديد أربع سنوات أخرى هو أقل ما يمكن أن نقدمه لكِ من وفاء وتقدير.

مع خالص الاحترام والتقدير،

الاستاذ مالك عباس

زر الذهاب إلى الأعلى