د. معاوية عبيد يكتب : صرير القلم…تغيّر المسجد المحزون

رأي خطوة برس
عادت بي الذاكرة وأنا أؤدي واجب العزاء في ابن عمي الذي رحل فجأة يوم الجمعة إلى أشياء ظننت أن الحرب لم تستطع أن تصل إليها فإذا بها قد وصلت… تذكرت صوت المؤذن ( عمي الشيخ ) وهو يرفع الأذان في مسجدنا العتيق وتذكرت خطبة والدي ( عليه رحمة الله ) وتذكرت زحام شارع المسجد يوم الجمعة ووجوه الناس وهي تتجه إلى الصلاة كأن الطريق إلى المسجد كان موعداً أسبوعياً مع الحياة نفسها … تذكرت رائحة ( الأبري ) وهي تملأ الأزقة وأصوات الصلوات وترتيل القرآن وتهجد الناس الذي كان يبدأ مبكراً في مسجدنا العتيق
شممت عبق المكان في الذاكرة ثم فتحت عيني على الحاضر …يا الله!
لقد ضاع الزمان أو لعل الزمان هو الذي تغيّر ،تغيّرت رائحة الشوارع وتغيّرت الوجوه وتغيّرت خطى المارة حتى أصوات المآذن التي كانت تمنحنا الطمأنينة صرنا نسمعها كأنها تحمل شيئاً من الحزن ، لم نعد نستمتع بأجواء الجمعة الأولى كما كانت ، بقيت بعض الذكريات تقاوم النسيان القهوة والبليلة في ديوان الوالد ذلك الديوان الذي كان يجمع الأهل من أطراف السودان ويستقبل محبي الوالد ومعارفه وتلاميذه ، كان البيت في تلك الأيام أكثر من بيت كان مجلساً للسودانيين تلتقي فيه الحكايات بالضحكات والقرابة بالمحبة… ثم غابت ليلة المولد من منزلنا… غابت أصوات مديح الشاذلية، أبناء الشيخ المجذوب وغابت تلك الليالي التي كان للمكان فيها طعم آخر وللناس فيها روح أخرى ..
تغيّر المسجد المخزون وتغيّرت معه الأزقة والحارات وتغيّر الناس وأنفاسهم وأرواحهم .
عدنا إلى الديار بعد حرب شرّدت الملايين ومزقت كثيراً من خيوط النسيج الاجتماعي، عدنا بعد رحلة طويلة من المعاناة تنقلنا خلالها بين نهر النيل و الشمالية و كسلا وغيرها من الولايات التي احتضنت السودانيين في أيام المحنة .
عدنا لكننا لم نجد المكان الذي تركناه ، كانت الخرطوم نفسها قد تغيّرت بيوت أغلقت وأخرى تهدمت وأحياء تبدلت ملامحها وناس غادروا و آخرون عادوا وبين الرحيل والعودة تبدلت أشياء كثيرة لا تستطيع العين وحدها أن تراها . والأخطر أن هناك حديثاً يتردد بين الناس عن تغيّر ديموغرافي محتمل وعن بيع للمنازل والعقارات في زمن يعجز فيه كثير من السودانيين عن توفير قوت يومهم ، وهنا يجب أن نتوقف ليس كل من اشترى عقاراً عدواً وليس كل بائع خائناً لوطنه فقد اضطر كثير من السودانيين إلى بيع ممتلكاتهم تحت ضغط الحرب والحاجة والخوف وانعدام الأمن ، كما أن أرقام النزوح والعودة وحدها تكشف حجم الضغط الذي تعرضت له الأسر السودانية ، لكن السؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه هو:
ماذا يحدث عندما تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية تدفع الناس إلى بيع بيوتهم بينما تتدفق الأموال على شراء العقارات في المناطق الآمنة؟
من أين تأتي هذه الأموال؟
ومن يشتري؟
ولماذا الآن؟
وهل تملك الدولة سجلاً واضحاً يراقب حركة بيع وشراء الأراضي والعقارات خلال سنوات الحرب؟
هذه ليست أسئلة عدائية تجاه أحد ولا دعوة إلى مصادرة حق أحد في التملك وإنما أسئلة تتصل بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة خصوصاً في بلد خرج لتوه من حرب أفرغت ملايين الناس من ديارهم فالوطن لا يُفقد دائماً بصوت المدافع
أحياناً يفقد شيئاً من ملامحه بصمت .
قد تبدأ الحكاية ببيت يُباع ثم بيت آخر ثم دكان ثم قطعة أرض ثم حي كامل تتبدل تركيبته الاجتماعية دون أن ينتبه أحد إلى الصورة الكبيرة ، ولذلك فإن القضية ليست أن نقول للسوداني: لا تبع بيتك مهما كانت ظروفك فهناك من اضطر إلى البيع لأنه يحتاج إلى العلاج أو الطعام أو تعليم أبنائه أو النجاة من الفقر ولا يجوز أن نحاكم إنساناً تحت وطأة الضرورة.
لكن القضية أن تسأل الدولة: كيف نحمي المواطن من أن يتحول الفقر الذي صنعته الحرب إلى وسيلة لفقدان ملكيته؟
وكيف نضمن شفافية سوق العقارات؟
وكيف نمنع التلاعب بالأسعار أو استغلال حاجة النازحين والعائدين؟
وكيف نحمي الملكية الخاصة وفي الوقت نفسه نحمي المصلحة الوطنية من أي استغلال منظم للفوضى التي خلفتها الحرب؟
هذه مسؤولية الدولة قبل أن تكون مسؤولية المواطن ،فالذين عادوا إلى الخرطوم لا يريدون فقط أن يجدوا جدراناً قائمة يريدون أن يجدوا أحياءهم وجيرانهم ومساجدهم وذكرياتهم ، يريدون أن يعودوا إلى المكان الذي تركوه ، يريدون أن يجدوا المسجد المحزون كما كان .
وحين يتغير المسجد وتتغير الحارة ويتغير الجيران وتتغير أسماء البيوت وتختفي الدكاكين القديمة وتغيب أصوات المآذن التي عرفناها منذ الطفولة يصبح السؤال أكبر من سؤال العقار ، إنه سؤال:
أي سودان سيعود إليه أبناؤه؟
نحن أمام بلد يحتاج إلى إعادة إعمار ، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى إعادة إعمار الإنسان والمجتمع والذاكرة
ولذلك يا أهل السودان، تمهلوا ، لا تجعلوا الحاجة المؤقتة تفرض قرارات دائمة ولا تجعلوا الخوف من عودة الحرب يدفعكم إلى بيع كل ما يربطكم بالأرض
ومن استطاع أن يغادر البلاد بحثاً عن الأمان فليعلم أن له إخوة وأهلاً وجيراناً سيظلون هنا وأن الوطن ليس مجرد جواز سفر تحمله في جيبك،الوطن أيضاً بيت وشارع ومسجد، ومقبرة وشجرة وصوت مؤذن ورائحة ( أبري ) في نهار رمضان ورائحة بليلة و قهوة في صباح الجمعة .
الوطن هو تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا عندما نفقدها ولعلني حين تذكرت المسجد في ذلك اليوم لم أكن أبحث عن صلاة الجمعة وحدها ، كنت أبحث عن سودانٍ قديم ،عن صوت المؤذن، عن خطبة أبي ، عن وجوه الجيران ، عن رائحة الأبري ،عن ديوان الوالد ،عن المولد ، عن الذين ذهبوا ولم يعودوا .
كنت أبحث عن المكان الذي كان يسكنني قبل أن أسكنه ،لكنني اكتشفت أن المسجد نفسه قد تغيّر ،
تغيّر المسجد المحزون…
وحين يتغير المسجد الذي خزنت فيه ذاكرتك، تعرف أن الحرب لم تمر من أمام بيتك فقط ، لقد مرت من داخل روحك .




