الجيش والسياسة في السودان

بقلم : محمد المجذوب
معلوم ان مؤسسة الجيش _ وفق توصيفات علم النظم السياسية _ هي عبارة عن مؤسسة سيادية ترتبط بوجود الدولة في المقام الأول، أكثر من كونها مجرد فاعل سياسي في منظومة الحكم والسياسة اليومية، كونه لا يمكن تصور دولة راشدة بلا احتكار فعلي لأدوات العنف داخل المجتمع لصاح الدولة شريطة من توظف تلك الادوات العنيفة لصالح جلب الخير العام للمجتمع.
ولهذا فإن سؤال المتداول عن موقع الجيش داخل السياسة والدولة ؟ لا بد وأن يسبقه السؤال الأشمل عما هي الدولة في علاقتها بخير المجتمع، أعني تلك الدولة التي يريدها السودانيون ابتداء ؟. اذ في الدول المستقرة تكون الحدود بين الدولة والسلطة والحكومة والجيش واضحة نسبيًا. أما في الدول المأزومة كما في الحالة السودانية، فإن هذه الحدود تتداخل وتتشابك الى الحد البعيد حتى يحل الجيش أحيانًا في محل الدولة، واحيانا تحل الحكومة في مكانة الدولة، واحيانا يصبح الحزب الحاكم هو الدولة، بل وتصبح القبيلة أو الحركة المسلحة منافسًا للدولة نفسها ولكيانها العام.
والمعنى ان الأزمة السودانية لا تكمن فقط في سوء فهم موقع الجيش من السياسة والحكم، بقدر ما تكمن الأزمة السياسية في غياب الاتفاق على طبيعة الدولة ابتداء وعلاقتها بالأفق السياسي والحضاري للمجتمع، لأنه عندما تكون الدولة نفسها محل نزاع حول هويتها الحضارية ومرجعيتها الاخلاقية العليا ومشروعية مصادرها السياسية ، فإن المؤسسة العسكرية تتحول لا محالة إلى أحد الفاعلين في الصراع السياسي المفتوح على تعريف الدولة ومكانتها في المجتمع السياسي.
والحقيقة إن السودان لا يشهد أزمة علاقة بين الجيش والسياسة فحسب، بقدر ما يشهد أزمة هيكلية مزمنة حول مشروعية الدولة ذاتها ، فمنذ الاستقلال فان الدولة السودانية تعاني من جملة اختلالات كبرى، اهما تسيس الإمكانية الحضارية للامة السودانية والزج بها الصراع السياسي اليومي المزيف، وما ترتب على ذلك من ضعف المرجعيات السياسية الجامعة، وكذا هشاشة المؤسسات السياسية، فضلا عن التسييس المستمر للمؤسسات السيادية. كما ظهر ذلك في مقالنا عن الازمة السياسية في السودان بين الامكان الحضاري والاشكال السياسي .
الا انه وفي ظل هذه الاختلالات الهيكلية وعدم الفصل المنهجي بين قضايا الإمكان الحضاري واشكالات الممارسة السياسية فقد أصبح الجيش يتقدم – مضطرا- لملء فراغ الدولة كلما ضعفت المؤسسات السياسية، مما يعني هنا ان الجيش لم يكن سببا للأزمة الهيكلية في توضيح علاقة الدولة بالمجتمع وفقا للأفق الحضاري السائد، بقدر ما يصبح تدخل الجيش في السياسة عراضا من اعراض الازمة السياسية كأزمة هيكلية مستمرة في السودان.
وهكذا وبدلا عن حل الاشكال الأساسي المتعلق بمرجعيات ومصادر شرعية الدولة ونوع نظام الحكم الملائم لحكم السوان على قاعدة ان السياسة تابعة للحضارة وامتداد لها، فان الخطاب السياسي البائس للأحزاب السياسية السودانية المتصارعة على السلطة، نلاحظه لا يخرج عن خطابات عسكرة الدولة او شيطنة الجيش، بملحظ ان الخطاب السياسي للنخبة السودانية غالبًا ما يقع بين خطابين متطرفين، الأول: خطاب يرى في الجيش مصدر الشرور السياسية كلها. والثاني: خطاب يرى الجيش هو الضامن الوحيد للوطن.
والحقيقة ان كلا الخطابين يتجاهل حقيقة أساسية هامة، وهي أن الدولة لا يمكن أن تُختزل في مؤسسة الجيش، كما لا يمكن أن تُبنى مؤسسات الدولة بغيره، فمؤسسة الجيش ضرورة سيادية لا غني عنها، الا ان الشرعية السياسية للدولة لا تُستمد من القوة العسكرية لها، وانما تستمد من مصادر المرجعيات الكلية العليا التي يتعامل معها المجتمع في مجموعه، وفي المقابل فإن ممارس السياسة (رجل الدولة) لا يستطيع إدارة الدولة إذا فقد أدوات حماية السيادة والأمن القومي، وعلي راسها مؤسسة الجيش، وبذلك يتضح ان علاقة الجيش بالسياسة في السودان اعقد من الإجابة عليها من خلال الإجابات السطحية التي لا تدرك طبية الاشكال العميق للازمة السياسية في السودان .
بيد انه ومن منظور علم العمران الإسلامي، الذي نتبناه كما في كتاباتنا ومقالتنا المنشورة، فانه يمكن النظر إلى مؤسسة الجيش باعتبارها جزءًا من منظومة حفظ العمران. فالعمران الإنساني لا يقوم فقط على العقيدة كرؤية كونية للعالم فقط، ولا على القيم كمنظومة للقيم السياسية الحاكمة فحسب، ولا على العمران الاقتصادي لوحده، ولا على السياسة مهما عظم شانها، وانما يحتاج كذلك إلى قوة تحمي المجال العمراني من الانهيار الداخلي والعدوان الخارجي.
ولهذا كانت وظيفة القوة في الفكر الإسلامي مرتبطة بحفظ مقاصد العمران في الاستخلاف والتسخير والاعمار والتمكين في الأرض ، الا ان هذه القوة الخشنة تظل وسيلة لحماية العمران وليست مرجعية بديلة عنه، كونه إذا تحولت القوة الخام إلى مصدر للشرعية السياسية المطلقة فانه تشأ عندئذ الدولة العسكرية الباطشة، اما إذا جرى إضعاف القوة السيادية العسكرية أو تفكيكها، فانه تنشأ عندئذ حالة السيولة الأمنية وانهيار الدولة، وهي حالة غير مرغوب فيها، فيكون توازن العمران الراشد في أن تكون القوة العسكرية الغاشمة خادمة للدولة لا مالكة لها.
وعندئذ فانه لا يكمن الحل في إبعاد الجيش عن السياسة والدولة، وانما في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة بوصفها الكيان الجامع للسياسة، وبين الجيش بوصفه مؤسسة السيادة الوطنية، وبين الحياة السياسة بوصفها مجال التنافس المشروع بين القوي الاجتماعية المهتمة بالشأن العام، وبين المجتمع بوصفه مصدر الشرعية السياسية للدولة ، وعندها يصبح الجيش، حاميًا للدولة لا حاكمًا لها، وجزءًا من النظام الدستوري لا بديلًا عنه، ومؤسسة سيادية فوق الاستقطاب الحزبي لا طرفًا فيه.
وهكذا فإن أزمة السودان ليست في وجود مؤسسة الجيش داخل إطار الدولة، وإنما في غياب التوازن الذي يحدد حدود كل مؤسسة ووظيفتها، فحين تضعف بنية الدولة تدخل مؤسسة الجيش في الحياة السياسة، وحين تفشل الأحزاب السياسة فإنها تحاول إقصاء الجيش، وحين يغيب الميثاق السياسي الجامع يتحول الصراع بينهما إلى صراع على الدولة نفسها.
ولذلك فإن السؤال الجوهري ليس هو من يحكم السودان، العسكريون أم المدنيون؟ وإنما، كيف نبني ميثاق لدولة مستقرة المرجعية العليا، بحيث تصبح المؤسسة العسكرية فيه حارسة للدولة، وتصبح السياسة صاحبة المشروعية أداة لإدارتها، ويصبح المجتمع في مجموعه مصدرًا لشرعيتها واستمرارها؟، وهذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل الدولة السودانية أكثر من أي جدل عابر وسطحي حول السلطة أو الأشخاص.





