الهادي كجاب…عالم الأنساب ، وذاكرة القبيلة

بقلم : د . كرار التهامي
تفتقد قبيلة رفاعة الكبرى اليوم رجلاً من خيرة رجالها، وفارسًا من فرسانها، وعلمًا من أعلامها، إذ نعى الناعي الشريف الهادي كجاب بعد رحلة عامرة بالوفاء لوطنه، والإخلاص لقبيلته، والمحبة الصادقة لأهله وذويه.
▪️كان الراحل شديد الاعتزاز بأهله، عظيم الفخر بأصولهم، نذر جانبًا كبيرًا من حياته لتوثيق نسبهم الشريف، حتى أصبحت شجرة النسب المحكمة تزين جدار مجلسه العامر، يتباهى بها ويوزع نسخها على أصدقائه وأحبائه باعتزاز، وكأنها أثمن هدية يمكن أن يقدمها. وظل على هذا النهج حتى انتقل اليوم إلى رحاب ربه، راضيًا مرضيًا بإذن الله.
▪️كان الهادي كجاب عنوانًا للكرم، ومثالًا للشهامة، وصورة ناصعة للاعتزاز بالانتماء، لا على سبيل التعصب أو الإقصاء، وإنما في إطار التوظيف المجتمعي الراقي الذي يجعل من معرفة الجذور وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وصون الذاكرة الجمعية، وحفظ التاريخ من الضياع.
▪️ما رأيت، ولا شهدت، رجلًا يفوقه اعتدادًا بأصله وقومه، ولا أقدر منه على التوثيق، ووضع النقاط فوق الحروف في كثير من القضايا الغامضة المتعلقة بخريطة الأنساب الاجتماعية في السودان، ذلك المشهد الذي تعرض عبر عقود طويلة للتشويه والالتباس، بفعل الأهواء والمصالح، وما صاحب التحولات الاجتماعية من إعادة تشكيل للهويات والأنساب في مراحل تاريخية مختلفة.بسبب سعي المستعمر لإعادة انتاج الثقافة التغريبية والقضاء على الخلفية الثقافية التي قام عليها السودان بعد ان أسست القبائل الرفاعية في العام ١٤٠٥ الدولة الاسلامية في وسط أفريقيا على أشلاء الممالك المسيحية التي انداحت في بلاد كوش والتي حاربها الرفاعيون بضراوة حتى قضوا عليها ليغيروا مسار التاريخ
▪️كان رحمه الله عليه يتناول هذه القضايا بعقل الباحث، ومنهج المؤرخ، ودقة الموثق، لا بعاطفة المتحمس وحدها. وكان يستند إلى الروايات المعتبرة، والمصادر، والمقارنات، حتى أصبحت مجالسه مقصدًا لكل من أراد أن يستوثق من نسب، أو يستجلي حقيقة تاريخية، أو يفهم تشعبات المجتمع السوداني.
▪️وفي مجلسه العامر كانت بشارات التاريخ تتلألأ، فيأخذك في رحلة آسرة عبر مسارب الذاكرة، متنقلًا بين الأجيال، حتى يبلغ بك الدوحة الشريفة كابرًا عن كابر، لا باعتبارها مجرد مفخرة قبلية، أو عاطفة بدوية، وإنما باعتبارها حقيقة تاريخية ينبغي توثيقها وصيانتها بمنهج علمي رصين، وهو المنهج الذي صاغ شخصيته المهنية والبحثية، وجعل من علم الأنساب رسالة حملها بإخلاص حتى آخر أيام حياته.
▪️رحل الهادي كجاب، لكن تبقى سيرته، ويبقى ابناؤه وعمدة رهطهم الدكتور طارق في ذات الدرب وتبقى وثائقه، وصدى ذكراه في المجالس التي عمرها بالعلم والكرم والشهامة شاهدةً على رجل أدرك أن الأمم لا تحفظ ذاكرتها إلا برجال يحفظون تاريخها، ويصونون أنسابها، وينقلونها للأجيال بأمانة وصدق.
🙏🏼رحم الله الشريف الهادي كجاب، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن أهله وقبيلته ووطنه خير الجزاء، وألهم آله وذويه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء.
د . كرار التهامي
الاربعاء ١-٧-٢٠٢٦





